الأخبار

معاهدة جديدة تعزز التعاون بين الدول في ملاحقة الجرائم الدولية

شهدت لاهاي في يومي 14 و 15 فبراير 2024 مراسم التوقيع على اتفاقية “ليوبليانا-لاهاي بشأن التعاون الدولي في مجال التحقيق ومقاضاة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والجرائم الدولية الأخرى”. وتمثل هذه الاتفاقية خطوة جديدة في تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب وتوثيق التعاون بين الدول على نحو مستدام من جانب، ومن الجانب الآخر تعزيز عمل المحكمة الجنائية الدولية.
وتقود سلوفينيا مبادرة اعتماد الاتفاقية مع الأرجنتين وبلجيكا ومنغوليا وهولندا والسنغال والتي تعتبر “بلدان المجموعة الأساسية”. يجئ التوقيع على هذه الاتفاقية بعد موافقة 68 دولة العالم الماضي على الانضمام لهذه المعاهدة والتي تعرف أيضا باسم “معاهدة المساعدة القانونية المتبادلة”. وتستهدف المعاهدة الدولية الجديدة سد الثغرات في القانون الدولي وإطار العدالة عبر تحديد التزامات وواجبات الدول فيما يختص بالتعاون في القضايا المتعلقة بالجرائم المرتبطة بالقانون الدولي.
خلفية تاريخية
برزت مبادرة “المساعدة القانونية المتبادلة” للمرة الأولى بعد مؤتمر للخبراء نظم في لاهاي في نوفمبر 2011 بمبادرة من هولندا وبلجيكا وسلوفينيا. وأكد الخبراء على وجود تفاوت بين الدول في إجراءات المساعدة القانونية والتسليم في القضايا المتعلقة بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وفي مرحلة لاحقة تم توسيع المجموعة لتضم ثلاثة دول هي الأرجنتين والسنغال ومنغوليا. وتستهدف المعاهدة تعزيز التعاون القانوني الدولي على مستوى شامل بالنظر إلى طبيعة الانتهاكات والجرائم والشهود والضحايا العابرة لحدود الدول. وأعدت هذه المعاهدة بحيث تطبق بشكل منفرد خارج منتديات الأمم المتحدة. ووجدت مبادرة “المساعدة القانونية المشتركة” الدعم من حوالي 80 دولة من مختلف أنحاء العالم.
الإجراءات
وانعقد الاجتماع التحضيري الأول للمبادرة في منطقة “دورن” في هولندا في الفترة من 16 إلى 19 أكتوبر 2017 وبمشاركة ممثلين من أربعين دولة وعدد كبير من منظمات المجتمع الدولي. وناقش الاجتماع قضايا متعلقة بمضمون المعاهدة بالإضافة إلى القضايا الإجرائية ومن بينها ملتقيات النقاش. ووفر المؤتمر للمجموعة الأساسية النسخة الأولوية من المعاهدة للعمل عليها. وانعقد المؤتمر التحضيري الثاني في الفترة من 11 إلى 14 مارس 2019 في “نوردفايك” في هولندا وتم خلاله استيعاب ملاحظات وتعليقات الدول المشاركة في النص الأولي المقترح بواسطة المجموعة الأساسية.
وكان من المقرر أن ينعقد المؤتمر الدبلوماسي الخاص بمناقشة نصوص المعاهدة لرسميا في يونيو 2020، لكن المؤتمر تم تأجيله بسبب جائحة كورونا واستبدل بمشاورات افتراضية كانت محصلتها النسخة التي مثلت قاعدة للمفاوضات في المؤتمر الدبلوماسي.
الخطوة الحاسمة دون شك كانت تقديم النسخة المقترحة من المعاهدة للمؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد في ليوبليانا في سلوفينيا في الفترة من 15 إلى 26 مايو 2023 والذي تبنى في اجتماع موسع النص النهائي لمعاهدة “المساعدة القانونية المشتركة”.
الأهداف والأليات
من المهم الإشارة إلى عدد من المعاهدات متعددة الأطراف التي دخلت حيز التنفيذ تحتوي على نصوص تتعلق بالمساعدة القانونية المشتركة ومن بينها “معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود” و “معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”. في ذات الاتجاه تستهدف “معاهدة المساعدة القانونية المشتركة” توفير آليات تعاون بين الدول فيما يتعلق بالتحقيقات وملاحقة ومقاضاة الجرائم الدولية الأكثر جدية.
تخاطب المعاهدة المسؤولية الأولية للدول في ملاحقة الجرائم والحاجة لإجراء تحقيقات تتسم بالفعالية على المستوى الوطني. وتسد المعاهدة ثغرة في القانون الدولي وإطار العدالة، وذلك من خلال توضيح وتعزيز واجبات والتزامات الدول بالتعاون مع بعضها البعض في القضايا التي تنطوي على جرائم بموجب القانون الدولي. وتتضمن عددًا من الأحكام الرائدة، مثل الالتزام العام إما بتسليم المشتبه بهم أو بمحاكمتهم، بالإضافة إلى أحكام بشأن إنفاذ الأوامر عبر الدول لتقديم تعويضات للضحايا، وتحديد حقوق الضحايا في إطار عمليات العدالة الجنائية العابرة للحدود الوطنية.
منظمة العفو الدولية تدعو للتوقيع على المعاهدة
من جانبها دعت منظمة العفو الدولية، المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، إلى اعتماد هذه المعاهدة الجديدة بشأن التعاون في المقاضاة على الجرائم بموجب القانون الدولي. وقال فيسيها تكلي، المستشار المعني بالقانون والسياسات في المنظمة: “تؤكد النزاعات في قطاع غزة وأوكرانيا والسودان وأماكن أخرى على الحاجة الملحة لتعزيز إطار القانون الدولي من خلال تطورات من قبيل هذه المعاهدة. هذه المعاهدة توفر أدوات جديدة للمساعدة في تحقيق العدالة وضمان توفير حماية أفضل لحقوق الإنسان، وينبغي أن تحظى هذه المعاهدة بأوسع دعم دولي”. “من خلال تسهيل التعاون القانوني بين الدول، تعزز هذه الاتفاقية الأنظمة القضائية الوطنية، ما يُمكّن الدول بشكل أفضل من الوفاء بواجبها في السعي إلى تحقيق المساءلة ضد جميع الأفراد الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وتسهم المعاهدة في ضمان أن يكون هناك عدد أقل من ’الملاذات الآمنة‘ للأشخاص المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية، كما أنها تمثل تقدمًا مهمًا ضد الإفلات من العقاب.
ومضى فيسيها تيكلي قائلًا: “تمثل هذه المعاهدة تغييرًا كبيرًا نحو الأفضل في مجال المقاضاة على هذه الجرائم، والقدرة على تحقيق العدالة وكشف الحقيقة وتقديم التعويض للضحايا، ونحث جميع الدول على الانتهاء بسرعة من عملية اعتماد المعاهدة، دون تحفظ، حتى يكون من الممكن تحقيق فوائدها بسرعة، وبشكل كامل.
وعرضت النسخة النهائية لتوقيع الدول في مؤتمر لاهاي في يومي 14 و 15 فبراير 2024 وتقرر أن يكون بابا التوقيع مفتوحا للدول الراغبة حتى تاريخ 14 فبراير 2025. لتبدأ بعدها مرحلة المصادقة على المعاهدة لتدخل حيز التنفيذ بعد توقيع الحد الأدنى المقرر من الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى