الأعمدة

حالُ السودان في ظلِّ الانقلابِ العسكريِّ… من أملِ الثورة إلى فشلِ الدولة !!

✍️محمد الفاتح حضرة
في بدايات تأريخ البشرية، كانت السلطة تُمارس داخل العائلة ثم القبيلة، وكانت القوة هي المعيار، والحق لمن يملك السيف أو من يملك النسب أو من يملك المال
كانت الحروب والغزوات هي لغة العلاقات بين القبائل والشعوب، وكان الإنسان يظن أن البقاء يكون بالفتك بالاخر لا بالتعاون ومشاركة الغير..
لكن مع تطور المجتمعات، بدأ الإنسان يدرك أن البقاء لا يكون بقوة القبيلة وحدها
فظهر مفهوم الدولة كأداة حضارية لتنظيم الحياة العامة بين عدة قبائل وعدة عائلات ، تتفق وتوزع وتحدد الحقوق والواجبات المشتركة ، وتتبني إدارة الشأن العام بعيدًا عن فوضى القبيلة والعشيرة
وأصبح من الطبيعي أن تُحل النزاعات داخل المجتمع عبر القوانين والمؤسسات، بدلًا من أن تُحسم بالسيف
ومع تقدم الزمن، تبلورت فكرة التبادل السلمي للسلطة
وبدأت الدول في الانتقال من “حكم الأقوى” إلى “حكم القانون”
🧐🫵ومن هنا ..
ظهرت الديمقراطيات الحديثة التي تجعل من الانتخابات والبرلمان والقضاء أدواتٍ للتداول السلمي للسلطة
وهكذا صار الحكم المدني هو الأصل، والعسكرُ في الدول المتحضرة صار دوره حماية الوطن من شرور الخارج، لا حكمه من الداخل
وفي التاريخ الحديث، نجد أن الأمم المتحضرة قد وضعت العسكر خارج السياسة بشكل صارم
ففي اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، تم تفكيك دور العسكر في الحكم، وصارت الحكومة المدنية هي التي تدير الدولة عبر دستور واضح وقواعد دستورية
وفي ألمانيا بعد الحرب العالمية، أعادت بناء مؤسساتها المدنية ووضعت قيودًا دستورية صارمة على دور العسكر في السياسة
وفي كوريا الجنوبية، رغم تاريخ طويل من الانقلابات، تحوّلت في نهاية المطاف إلى دولة مدنية ديمقراطية تُسلم السلطة عبر الانتخابات
وفي أوروبا، بعد أن كانت القارة ساحةً لحروبٍ دموية، أصبح التعاون هو السمة، حتى بين دول كانت تخوض حروبًا ضارية، فبرزت فكرة الاتحاد الأوروبي كتكتلٍ سياسيٍ مدنيٍ يضع مصالح الشعوب فوق صراعات الماضي
حتى الدول التي بينها صراعات أو حروب، تجدها جميعًا تسعى نحو الصلح والتسويات ووقف الحروب
لأنها أدركت أن الحرب تدمر الدولة وتقتل المستقبل
وأدركت أن التكتلات السياسية المدنية هي السبيل للبقاء والتقدم
فباتت الدول اليوم تتعاون أكثر مما تتصارع
وتتفاوض أكثر مما تُقصف
وتُفضّل التفاهم على الدمار
وهذا التحول ليس صدفة
بل هو نتيجةُ نضجٍ حضاريٍ عالميٍ، جعل من “الدولة المدنية” معيارًا للتقدم، ومن “التبادل السلمي للسلطة” علامةَ نضجٍ سياسي
وأصبح العسكر في كل الأمم المتحضرة مؤسسةً محترمةً، لكنها خارج السياسة، لا تُحكم ولا تُقرر
🇸🇩أما في السودان، فالأمر مختلف تماماً🧐
السودان للأسف الشديد لم يواكب هذا التحول الحضاري الإنساني..
بل عاد إلى زمانٍ ماضٍ، زمنِ الانقلابات العسكرية
الذي يجعل من البندقية هي الحاكم الحقيقي، ومن الشعب مجرد جمهورٍ يُرهب ويُسكت
💤حالُ الحكومةِ في ظلِّ الانقلابِ العسكريِّ… من أملِ الثورة إلى فشلِ الدولة!! 🛑
🧐🫵 لقد أثبتت التجربة الإنسانية أنه متى ما نفَّذَ الجيشُ انقلابًا عسكريًّا، فإنَّ الواقعَ يصبحُ خاليًا تمامًا من أيِّ حكومةٍ تمتلك صلاحيات دستورية حقيقيَّة ‼️
في الواقع لن تكون هنالك سلطةَ تنفيذيَّة
ولا سلطةَ تشريعيَّة
ولا سلطةَ قضائيَّة مستقلة..
🧐🫵كلُّ السلطاتِ ستنتقلُ فعليًّا إلى يدِ العسكرِ الانقلابيِّين وحدهم ‼️
🧐مهما حاولَ العسكرُ خداعَ البسطاءِ وعامَّةِ الشعبِ بالحديثِ عن تشكيل “حكومةٍ مدنيَّةٍ” فإنهم انما يخادعون الشعب..
مثل ما فعلَ البرهانُ مع كامل إدريس
فالحقيقةُ أبسطُ وأقسى
لا صلاحيات دستورية لرئيس الوزراء..
لا أدوات
ولا قرار
وما يُسمَع أحيانًا عن صدور قرارات او وضع سياسات بواسطة كامل إدريس ، فإن هذه القرارات عبارة عن جعجة فارغة و لا أثرَ لها في واقع حياة اهل السودان ‼️
كل قرارات تعيين اعضاء حكومة الإنقلاب انما هي عبارة عن صفقات وترضياتٌ ومحاصصاتٌ ومناصبُ تشريفيَّةٌ تُمنحُ مقابلَها لشركاء العسكر مرتَّباتٍ ومخصَّصاتٍ من مالِ الشعب
🧐في حقيقة الأمر
إن كلُّ أعضاءِ ما يُسمَّى بالحكومةِ المدنيَّةِ المعيَّنةِ بقرارٍ عسكريٍّ ، إنما هم وزراء بلا مهامٍّ وبلا تكليف
وظيفتُهم المركزيةُ كوزراء او كبار مسؤولين أداءُ أدوارٍ إعلاميَّةٍ يحدِّدُها العسكرُ متى كيف شاءوا ‼️
🪾أركو مناوي حاكم دارفور 😴
لعل أوضحُ مثالٍ على هذا العبث الإستوزاري في حكومة العسكر الانقلابيين هو قرارُ حاكمِ إقليمِ دارفور مني أركو مناوي..
الذي اصدر قراراً بتعيينِ أحد أنصاره وزيراً للزراعةٍ في “حكومةِ إقليمِ دارفور”‼️
والسؤالُ البديهيُّ هنا 🤔
ماذا سيفعلُ وزيرُ زراعةٍ في إقليمٍ تسيطرُ عليه قواتُ الدعمِ السريع؟!
لن يقوم بأي عمل ، ولكن الهدف من هذا الإستوزار لا شيء سوى تلقِّي المرتَّباتِ والمخصَّصات
🤔بل ما هي المهام التي يضطلع بها حاكمِ دارفور أركو مناوي ؟!
لا شيء!!
حاكم دارفور شخصيا ظل لأكثر من سنتين متواجداً مع نخبة قواتُه موجوداً في بورتسودان او في نهرِ النيل…..
🧐🤔مافائدة قيام السيد أركو مناوي بتعيين وزير زراعة في حكومة دارفور ، بينما ان كل دارفور قد أصبحت خارجُ سلطتِه تمامًا وصارت بيد قوات الدعم السريع ‼️
🧐🫵إنها محض محاصصاتٌ صريحةٌ تم منحها الي جماعة أركو مناوي مقابلَ القتالِ إلى جانبِ قائدِ الانقلاب..
مقاعدُ في مجلسِ السيادة
مناصبُ في مجلسِ الوزراءِ الوهميِّ
ومواقعُ داخلَ مؤسَّساتٍ ماليَّةٍ واقتصاديَّةٍ اتحاديَّةٍ وإقليميَّة
📜🧭 حكومة الدكتور عبدالله حمدوك..التي ناصبها الشعب العداء ‼️
قبل هذه الحرب العبثية والخراب الشامل
وقبل انقلاب البرهان وحميدتي في 25 أكتوبر 2021..
كان السودان يعيش مرحلةً مختلفةً تمامًا
خلال الحكومةِ الانتقاليَّة
حكومةِ الثورة
حكومةِ الدكتور عبدالله
فترة حكومة حمدوك وقوى الحرية والتغيير
رغم كلِّ الصعوبات والتحديات والاختراقات
ولكن كان هنالك أملٌ حقيقيٌّ
كانت هنالك حكومة
وكان هنالك برنامج
وكان هناك أفق
الدولةُ كانت تحاول أن تنهض
العزلةُ الدولية بدأت تنكسر
الدعمُ الخارجي عاد
الإعفاءاتُ من الديون بدأت
المؤسساتُ كان يُعاد بناؤها
والشعبُ لأول مرةٍ يشعر أن له حكومةً تُخاطبه وتحترم عقله
ربما لم يكن الواقعُ مثاليًّا
ولكن المستقبل كان مفتوحًا
علي أمل وحلم..
كان الإحساسُ العامُّ أن السودان يسيرُ للأمام
ولو ببطء
ولكن فجأةً جاء انقلابُ البرهان وحميدتي
😡فتبدَّل حينها كلُّ شيء
انهار الاقتصاد
انهارت الخدمات
انهارت الدولة
وتحوَّل الأمل إلى خوف
والغد إلى مجهول
والوطن إلى مكانٍ طاردٍ للحياة..
لم يعُد هنالك أيُّ برنامجٍ اقتصاديٍّ أو سياسيٍّ أو تنمويٍّ
لأنَّ الأصلَ أنَّه لا توجد حكومةٌ أصلًا !!
🧐السودانُ اليومَ بلدٌ بلا مستقبل
بلا أمل
بلا حياة
الهجرةُ أصبحت خلاصًا
والبقاءُ صار معاناة
لا أمن
لا أمان
لا كهرباء
لا ماء
لا صحَّة
لا تعليم
الناسُ يعيشون في غياهبِ الظلمِ والظلام
في الفقرِ والمرض
وانعدامِ الأمن
وانسدادِ الأفق
وهنا لا بدَّ من قولِ الحقيقة كاملةً… مهما كانت مؤلمة!! 🛑😡
إن ما وصلنا إليه اليوم من بؤس وخراب..
لا يتحمَّل مسؤوليته العسكر وحدهم
ولا الكيزان وحدهم
ولا قادة الانقلاب وحدهم..
🧐🫵 انما الشعبُ السوداني بالعموم
يتحمَّل جزءًا أصيلًا من هذه الكارثة ‼️
الشعب السوداني كان هو من تقبَّل انقلاب البرهان وحميدتي
الشعب هو من تخلَّى عن الحكومة الانتقاليَّة
الشعب هو من تخلَّى عن مساندة الدكتور عبدالله حمدوك
بالصمت
وبالحياد
وبالتشكيك
وبالتعب
وبالانسحاب من معركة الوعي
ولولا فئةٌ قليلة
من شباب الثورة
ومن شرفاء القوى المدنيَّة والسياسيَّة
الذين ما زالوا حتى اليوم يساندون صمود الدكتور عبدالله حمدوك
ويتمسكون بخيار الدولة المدنيَّة
لكان من الممكن القول إنَّ الأمل قد مات تمامًا
الانقلابات لا تنجح وحدها
تنجح حين يجدُ الانقلابُ شعبًا متعبًا
أو خائفًا
أو صامتًا
والأوطان لا تُدمَّر فقط بالدبابات
بل أيضًا بتخلِّي شعبها عنها ‼️ 🛑
#لا_حكومة
#فشل_الدولة
#حكم_العسكر
#انقلاب_25_أكتوبر
#حكومة_الثورة
#السودان_بلا_أمل

زر الذهاب إلى الأعلى