محمد عبد الله برقاوي ..
الذاكرة البشرية هي تماماً كذاكرة الحاسوب
أ وشريحة الهاتف الذكي في محدودية سعتها .. متى ما حشوتها بزحمة الصور و المشاهد والمعلومات ماهومفيد منها وماهو سخيف قد تتمرد عليك فتتأبى عن استيعاب المزيد .. بل وقد يسقط عنها في سلة النسيان ما تحتاجه في لحظة حرجة ..فتقف أمام وجه مألوف غاب عنك زمنا ولو غير بعيد فتنسى إسمه وتبدأ تتلعثم أمامه بكثرة السلام الذي قيل أنه من علامات قلة المعرفة ..أو يخذلك شريط معلوماتك العامة بعدم استجابته للإستدعاء الفوري حينما تتبارى في مغالطة مع أصدقاء مناكفين أو أدعياء يحبون الإثارة والإستفزاز للتسلية والضحك فيسخرون منك بمعلومات مغلوطة اياً كانت أهميتها فتحاول بذهم بسبق معرفتك لكن المعلومة الصحيحة التي في اعماق شريحتك الدماغية تقف متحجرة عند حافة جبهتك ولا تسقط الى لسانك رغم ضربك بالحاح الكف على مقدمة الرأس !
ما أصفى الذهن حينما كانت ذاكرتنا غضة فترسم بريشة الخيال ما يخلد فيها كاللوحة المنحوتة على جدران الوجدان وهي تلتقط المادة قراءة أو سمعاً بأنامل مغنطيسها الطفولى قبل أن يعلوه صدأ السنوات و يحفه تراكم الأحداث المتلاحقة فتحتجب عنه المقدرةعلى إجتذاب الجديد و يمتنع عن فك إعتقال ماهو خلف قضبانه ولو كانت مدة حبسه شهوراً أوحتى أياماً في سنوات الكِبر !
ولكن الغريب أنك قدتتذكر وبالتفصيل الدقيق صورا التقتطها كاميرا حياتك الأولى أوأحاجي سردتها عليك الحبوبة بإخراج التقمص أو معلومات قرأتها بنهم التشوق ومعاقرة الحرف المبكرة أو سورة قرانية علقت بروحك من ايام الصبا في الخلوة .. بينما قدتنسى كلاماً أو طرفة سمعتها قبل ساعات وأنت تمخر عباب الحياة الحديثة السريعة الخطى في ساعات يومها ..والبطيئة التطور النوعي في عجلة زمانها الردي !
أنا على المستوى الشخصي ومن تجربتي الذاتية أحفظ للأخرين شعراً قرأته لهم منذ نصف قرن مثلاً..واستطيع في اية مقابلة إذاعية أو صحفية أوتلفزيونية أن أقرأ بكرةٍ واحدة قصيدة كتبنها منذ ثلاثين عاماً ..لكني اعجزالآن عن حفظ بضعة ابيات نظمتها منذ اسبوع فقط..!
اتدرون لماذا ..لان جهازا اسمه الحاسوب اوالهاتف المتحرك قد استلبا مني ذاكرتي وأصبح كل ٌ منهما هو الشريحة البديلة التي تختزن لي ما أكتبه ..وهي مصيدة أوقعني فيها إنبهاري لمجرد انني اصبحت من القادرين على التعاطي مع هذه التقنية وأنتابني شعور النصر عند من قبض ذيل الأسد ..ولكني اكتشفت أنني قد أغلقت بوابات ونوافذ الرأس وحجبت عن مخيلتي نسيم التذكر النقي واستبدلته برذاذٍ صناعي كما يفعل الناس حالياً باقتناء مكيفات الهواء لاسيما في المدن وحتى القرى التي طالتها الحداثة و قيدت فطرتها اسلاك الكهرباء ومسخها شراء الحليب بعد ان عاف أهلها مشاركة الأنعام لهم حياة الإستلاب تلك !



