
✍️محمدالفاتح حضرة
🫵🧐ليست شهادةُ العميد دكتور محمد عوض فضل الله – كما وردت في بودكاست Sudan 360 – مجرد روايةِ ضابطٍ غاضبٍ خرج من المؤسسة، بل هي وثيقةٌ من داخل القلب الصلب للمنظومة المالية العسكرية، تُعيد ترتيب الأسئلة القديمة:
من الذي يحكم فعليًا؟
ومن الذي يتحكم في المال؟ ومن الذي يُموِّل السلاح والحرب؟!! 🤔
📜السودان… حين يتحوّل الجيش إلى إمبراطوريةٍ ماليةٍ خارج الدولة!! 🛑🧐
ليست شهادةُ العميد دكتور محمد عوض فضل الله مجرّد روايةٍ عابرة، بل نافذةٌ تُطلّ على بنيةٍ اقتصاديةٍ كاملةٍ نَمَت داخل المؤسسة العسكرية منذ انقلاب 1989م، حتى صارت دولةً داخل الدولة.
المسألة – كما تكشف الشهادة – لم تكن فسادًا فرديًّا، بل منظومةً متكاملةً:
شركاتٌ تتجاوز المئة والستين
صناديقُ خدماتٍ وتأمينٍ
هيئةُ تصنيعٍ حربيٍّ ذات امتداداتٍ خارجية
بنوكٌ وشركاتُ تأمينٍ وطيرانٍ وتعدينٍ
كلُّ ذلك يعمل بإعفاءاتٍ استثنائية، وبعيدًا عن ولاية وزارة المالية، وخارج رقابة المراجع العام.
وقد كان رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك أوّلَ من نطق رسميًّا بحقيقة أن نحو 80٪ من موارد الدولة خارج سيطرة الحكومة المدنية.
لم يكن ذلك تصريحًا عابرًا، بل كان مسًّا مباشرًا لجوهر السلطة الفعلية. وهنا بدأ الصدام الحقيقي بين مشروع الدولة المدنية ومشروع الاقتصاد العسكري المغلق.
الاختلال الأخطر… حين يُدان رأس الدولة نفسه في ملف العملة!!
من أكثر المؤشرات دلالةً على عمق الخلل داخل المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة، واقعةُ إدانة قائد الجيش ورئيس الدولة السابق عمر البشير في بلاغٍ جنائيٍّ يتعلق بحيازة وتداول عملاتٍ أجنبية خارج المنظومة المصرفية الرسمية.
هذه الواقعة ليست تفصيلًا قانونيًّا، بل كاشفٌ أخلاقيٌّ وسياسيٌّ خطير:
كيف تُعدم الدولةُ مواطنين بزعم “تخريب الاقتصاد” و”المضاربة في العملة”، بينما يُدان رأس السلطة ذاتها بتهمة التعامل خارج النظام المالي؟!! 🤨
إنها مفارقةٌ موجعةٌ تُعرّي حجم الكذب والازدواجية التي مارستها منظومةُ “الإنقاذ” باسم الشريعة والاقتصاد الوطني.
أُزهِقت أرواحٌ، ودُمِّرت أسرٌ، تحت لافتة “محاربة تجار العملة”، بينما كان الخللُ في قمة الهرم نفسه.
هذه ليست حادثةً فرديةً، بل انعكاسٌ لبنيةٍ ترى القانون أداةً لإخضاع الضعفاء، لا معيارًا يُطبّق على الجميع.
هل كان الأمر خافيًا على الساسة؟!!
الحديث عن اقتصادٍ عسكريٍّ موازٍ لم يكن مجهولًا بالكامل للنخب السياسية.
لكن الاقتراب من هذا الملف كان يعني الاصطدام بالمؤسسة الأقوى سلاحًا ومالًا.
وما إن بدأ الحديثُ عن إخضاع الشركات العسكرية لولاية وزارة المالية، حتى تكوّن تحالفٌ موضوعيٌّ بين قادة العسكر وبقايا التنظيم لحماية هذه المصالح.
فالانتقال الديمقراطي الحقيقي لا يُهدِّد المقاعد فقط، بل يُهدِّد الحسابات البنكية وشبكات الامتيازات.
واجب النائب العام والنيابة العامة… اختبار الدولة الحقيقي 🛑
إذا كانت شهادةُ العميد فضل الله قد وُضِعت في المجال العام، فإنها – من الناحية القانونية – ليست مقال رأي، بل معلوماتٌ خطيرةٌ تستوجب التحرّي.
على النائب العام والنيابة العامة أن تقوم – وفقًا للقانون – بالآتي:
فتح بلاغاتٍ أوليةٍ تحت مواد الثراء الحرام وخيانة الأمانة العامة
استدعاء الشهود المعنيين لسماع إفاداتهم رسميًّا
مخاطبة ديوان المراجعة القومي لإجراء مراجعةٍ استثنائيةٍ شاملة
طلب بياناتٍ مصرفيةٍ وتحويلاتٍ خارجيةٍ عبر التعاون القضائي الدولي
تجميد أصولٍ محلّ شبهةٍ إلى حين اكتمال التحقيق
هذا ليس ترفًا سياسيًّا، بل صميم اختصاص النيابة في حماية المال العام.
🫵لكن السؤال الجوهري: هل يستطيع النائب العام فعل ذلك؟!! 🤔
من الناحية القانونية… نعم.
من الناحية الواقعية… يتوقف الأمر على مدى استقلال الإرادة السياسية، وعلى قدرة مؤسسات العدالة على العمل بعيدًا عن الضغط العسكري والأمني.
فالنيابة لا تتحرك في فراغ، بل في سياق ميزان قوى.
وكلما كان ميزان القوة مختلًا لصالح من يملكون السلاح والمال، تعقّدت مهمة العدالة.
جوهر الصراع… اقتصادٌ يحمي السلطة وسلطةٌ تحمي الاقتصاد
ما تكشفه الشهادة – إن ثبتت بتحقيقٍ قضائيٍّ مستقل – أن المشكلة في السودان ليست صراع أشخاص، بل صراع بنية.
بنيةٌ تجعل من الجيش لاعبًا اقتصاديًّا ضخمًا خارج الرقابة
وتجعل من المال أداةً لإعادة إنتاج السلطة
وتجعل من القانون سيفًا على الضعفاء دون الأقوياء
والتحول المدني لن يكتمل ما لم تُخضع هذه البنية لسلطة الدستور.
فالدولة لا تُستردُّ بانتخاباتٍ فقط،
ولا تُبنى بشعاراتٍ مجردة،
بل باستعادة المال العام،
وإخضاع السلاح للقانون،
وتحرير القضاء من الخوف.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نملك الشجاعة المؤسسية لفتح هذا الملف حتى نهايته؟!! 🛑🧐
😈جماعةُ ما يُسمّى بالحركة الإسلامية… والاختباء خلف الشركات السيادية!!
فيما يبدو من الوقائع والشهادات المتداولة، فإن جماعةَ ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض قد لجأت – عبر عقودٍ من التمكين – إلى إخفاء جزءٍ معتبرٍ من استثماراتها وثرواتها تحت مظلة شركاتٍ تُصنَّف “سيادية” أو “عسكرية”، لا تخضع للمراجعة القومية ولا لرقابة البرلمان ولا لسلطة وزارة المالية.
هذا النموذج أوجد طبقةً ماليةً محصّنةً، تتداخل فيها المصالح التنظيمية بالمؤسسة العسكرية والأمنية، بحيث يصعب الفصل بين المال العام والمال الحزبي، وبين القرار السيادي والمصلحة الخاصة. وهنا تتعقّد المسؤولية، لأنها لا تقف عند حدّ الانتماء السياسي، بل تمتد إلى كل من تولّى إدارةً أو إشرافًا أو توقيعًا أو تسهيلًا في هذه المنظومة.
المسؤولية التاريخية… من 1989م وحتى اليوم!!
يتحمّل قادةُ الجيش منذ انقلاب 1989م المسؤوليةَ الكاملة عن نشوء هذا الوضع واستمراره، بحكم الولاية والسيطرة الفعلية على مفاصل القوة والمال.
لكن المسؤولية لا تقف عندهم وحدهم، بل تشمل – وفق مبدأ المسؤولية التضامنية في إدارة المال العام – كل من شارك أو سَهَّل أو تستّر، من قياداتٍ وضباطٍ في جهاز الأمن والشرطة وقوات الدعم السريع، فضلًا عن إداراتٍ تنفيذيةٍ في هيئات الموانئ والجمارك والجهات ذات الصلة التي مكّنت هذه الشبكات من العمل خارج الإطار الطبيعي للرقابة والمحاسبة.
إن إدارة المال العام ليست شرفًا فحسب، بل أمانةٌ قانونيةٌ وأخلاقية. وكل من تولّى موقعًا عامًا ووقّع على قراراتٍ ماليةٍ أو إداريةٍ محلّ شبهة، يبقى خاضعًا للمساءلة متى ما توفّرت دولة القانون.
ولابد أن يأتي وقتٌ – بإذن الله ومشيئته – تُفتح فيه الملفات كاملةً، وتُخضع كل رئاسات الإدارات، وكل الشخصيات التنفيذية والقضائية التي كان لها دورٌ مباشرٌ أو غير مباشر، لمساءلةٍ عادلةٍ وشفافةٍ أمام قضاءٍ مستقلٍّ لا يفرّق بين قويٍّ وضعيف.
فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم في ضمير الشعوب.
واستعادة الدولة في السودان لن تكتمل إلا حين يخضع الجميع – بلا استثناء – لميزان القانون، ويُعاد المال العام إلى موضعه الطبيعي تحت رقابة الأمة لا تحت حماية السلاح.



