الأخبار

الذهب والسياسة.. لماذا أخلت موريتانيا مواقع التنقيب من السودانيين؟

لا تبدو عمليات الإخلاء التي نفذتها السلطات الموريتانية السبت الماضي ضد مئات المنقبين السودانيين في ولايات “تيرس، زمور، وداخلت نواذيبو” مجرد إجراء روتيني لضبط قطاع التعدين الأهلي، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية وأمنية معقدة؛ فالتوقيت متزامن مع دخول التصنيف الأمريكي للحركة الإسلامية السودانية وجماعة الإخوان المسلمين في السودان على قوائم الإرهاب الأجنبي حيز التنفيذ، إلى جانب التعيين الجديد في وزارة المناجم في موريتانيا، ما يكشف عن تداخل غير مسبوق بين السياسات الدولية ومصالح الأمن الوطني الموريتاني، وإدارة واحدة من أكثر القطاعات الاقتصادية حساسية في المنطقة.
إخلاء عاجل تحت حراسة “الدرك الوطني الموريتاني”!
في 21 مارس الجاري، وفي خطوة وصفها المنقبون بـ”الصادمة”، نفذت وحدات من الدرك الوطني الموريتاني أوامر بإخلاء مئات السودانيين من مواقع التعدين الأهلي في ولايات “تيرس زمور وداخلت نواذيبو”. القرار، الذي تزامن مع تعيين وزير المناجم الجديد في موريتانيا “عدي ولد الزين”، والذي منح المستثمرين مهلة 24 ساعة فقط، ما تسبب في توقف 130 موقعاً للطواحين و7 مصانع كبرى تُقدّر قيمتها بنحو 37 مليون دولار.
المحور الأمني: تجفيف “الرئة المالية” للإخوان
يرى مراقبون موريتانيون وسودانيون تحدثوا لـ”صحيح السودان” أن توقيت الإخلاء ليس معزولاً عن الضغوط الدولية، خاصة بعد سريان القرار الأمريكي بتصنيف “الحركة الإسلامية السودانية” و”جماعة الإخوان المسلمين في السودان” كمنظمات إرهابية أجنبية.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن قطاع الذهب في دول الساحل، ومنها موريتانيا، كان يمثل وسيلة لتمويل نشاطات “كتيبة البراء بن مالك” التابعة للحركة الإسلامية.
لذا تخشى السلطات الموريتانية من استخدام غطاء “التنقيب” كواجهة لتواجد عناصر أمنية تابعة للتنظيم، خاصة في ظل التقارب المرصود بين فلول النظام السابق في السودان وجهات إقليمية تحاول زعزعة استقرار الساحل.
كما شددت البنوك المركزية، بما فيها موريتانيا، الرقابة على التحويلات المالية المرتبطة بقطاع المعادن لضمان عدم وصولها لكيانات مصنفة إرهابياً.
قطاع الذهب في موريتانيا: قوة اقتصادية واستراتيجية
يُقدّر إنتاج موريتانيا من الذهب بنحو 10 إلى 12 طناً سنوياً، وتُعد البلاد من أهم منتجي الذهب في غرب إفريقيا.
تتركز أنشطة التعدين في ولايات “تيرس زمور، داخلت نواذيبو، وزويرات” بموريتانيا، إذ توجد أكبر مناجم الذهب والمصانع المكثفة للطواحين. يساهم الذهب بنحو 5 – 7% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل المصدر الثاني للعملات الصعبة بعد الحديد لنواكشوط.
تعمل في القطاع شركات كبرى مثل معادن موريتانيا وموريتانيا جولد كومباني، إلى جانب عدد من المستثمرين المحليين والأجانب، ما يجعل هذا القطاع محوراً استراتيجياً من حيث الأمن والاقتصاد.
يوفر التعدين الأهلي وفرص العمل في المصانع والمناجم آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى دعم التجارة والخدمات المرتبطة بالقطاع.
معاناة السودانيين
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن العديد من المواطنين السودانيين الذين لا تربطهم أي علاقات مع الحركة الإسلامية وكتيبة البراء بن مالك استثمروا مدخرات حياتهم في قطاع الذهب الموريتاني، وباتوا اليوم يُعاملون بريبة أمنية بسبب ممارسات “الحركة الإسلامية”.
حيث أدى تورط الحركة الإسلامية في أنشطة مشبوهة ودعمها لكتائب مسلحة مثل “كتيبة البراء” إلى إمكانية وصم الاستثمارات السودانية بالتبعية للتنظيم الإسلامي.
حتى أولئك الذين لم ينغمسوا يوماً في النشاط السياسي، يجدون أنفسهم اليوم تحت طائلة قرارات “تجفيف المنابع”، ما جعل السلطات الموريتانية تختار الحل الأمني الاستباقي بإبعاد الجميع لتفادي أي ضغوط دولية أو مخاطر غسيل الأموال.
بالتالي يدفع العامل البسيط الذي هرب من الموت في الخرطوم ليجد حياة كريمة في “شامي” أو “الزويرات” بموريتانيا ثمن مغامرات تنظيم إرهابي حول اسم السودان إلى “مخاطرة أمنية” في السجلات الدولية.
تحليل: “التبصيم” والمنع من العودة
ذكرت مواقع موريتانية مثل “نوافذ، والإعلام نت” أن إجراءات الترحيل شملت “التبصيم القسري” لنحو ألف سوداني في العاصمة نواكشوط. هذا الإجراء يعني قانونياً منعهم من دخول الأراضي الموريتانية لمدة قد تصل إلى 10 سنوات، وهو ما يقطع الطريق نهائياً على أي محاولة لإعادة تنشيط هذه الاستثمارات تحت مسميات أخرى.
أزمة استثمارية
إن ما يشهده السودانيون اليوم في صحاري موريتانيا ليس مجرد أزمة استثمارية أو إجراءات إدارية عابرة، بل هو تجسيد حي لـ”اللعنة السياسية والأمنية” التي رماها تنظيم الحركة الإسلامية على كاهل الشعب السوداني.
لقد نجح الإسلاميون السودانيون، عبر عقود من الفساد والارتهان للأجندات المتطرفة، في تحويل “الجواز السوداني” من رمز للعصامية والأمانة إلى “شبهة أمنية” تثير ريبة المطارات والمناجم والمؤسسات الدولية.
إن هؤلاء المنقبين والمستثمرين الشرفاء، الذين هربوا من جحيم الحرب وصنعوا من عرق جبينهم استثمارات بمليارات “الأوقية الموريتانية”، يجدون أنفسهم اليوم ضحايا لـ”إرهاب سياسي” لم يمارسوه، وفساد مالي لم يشاركوا فيه.
قاد “تنظيم الإخوان” السودان إلى هاوية التصنيفات الإرهابية، ولم يكتفِ بتدمير الداخل، بل طارد السودانيين في منافيهم ومهاجرهم، ليحرمهم حتى من حق الكسب الحلال تحت ذريعة “تجفيف منابع التمويل”.
إن الحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها العالم هي: أن هؤلاء المهجرين قسرياً من مواقع الذهب لا يدفعون ثمن خرق للقانون الموريتاني، بل يدفعون ثمن بقاء تنظيم “الحركة الإسلامية” جاثماً على صدر الهوية السودانية.

زر الذهاب إلى الأعلى