
عزام عبد الله
خلف كل مشروع فاشل في السودان قصة، ولكن خلف كل مشروع “لم يبدأ” مأساة أعمق. الشاب السوداني المبدع لا يخشى “دراسات الجدوى” أو “تقلبات السوق”، بل يخشى “المناخ الساخر” الذي يحول المحاولة الجادة إلى “نكتة” في مجالس المدينة.
مقصلة “الونسة”.. حين يغتال التنمر أحلام النهضة
في السودان، نحن لا نملك “حاضنات أعمال”، بل نملك “طاردات أحلام”. الشاب الذي يفكر في ابتكار جديد لا يواجه تحديات تقنية فحسب، بل يواجه “جيشاً من المحبطين” الذين يتلذذون بتحويل الطموح إلى “نكتة” تُتداول مع شاي المغرب.
“عصام.. وصناعة الاستهزاء”
كان (عصام) مهندساً شاباً، يمتلك شغفاً بـ “الطاقة البديلة”. قضى ليالي طويلة في مرآبه الصغير يصمم نموذجاً لـ “مجفف محاصيل زراعية” يعمل بالطاقة الشمسية، يهدف من خلاله لمساعدة صغار المزارعين في قريته على حفظ محاصيلهم من التلف.
كان عصام متحمساً، وفي أول جلسة مع أصحابه وبعض أعيان الحي في “النادي”، قرر أن يشاركهم فكرته، ظناً منه أنه سيجد التشجيع.
عصام (بحماس): “يا جماعة، أنا شغال لي في مشروع جهاز شغال بالشمس، بجفف الخضار والفاكهة في ساعات بس، وممكن يحل أزمة الفاقد الزراعي في الحلة هنا.”
أحد الجالسين (بضحكة ساخرة): “أسمعوا الفيلسوف ده! يا عصام يا ولدي، إنت قايل نفسك في اليابان؟ جفف شنو وشمس شنو؟ ما تخليك واقعي يا بشمهندس، أمشي شوف ليك وظيفة في الحكومة تستر بيها نفسك بدل ضياع الزمن في (الكراكيب) دي.”
صديق آخر (يغمز للبقية): “والله يا عصام خايفين بكرة تعمل لينا (مكوك فضاء) من علب الصلصة! يا أخوانا أدو عصام (عرقي) بارد يبرد بيهو راسو من حرارة الشمس دي.”
انفجر الجميع بالضحك. لم تكن ضحكات عابرة، بل كانت “رصاصات” تخترق ثقة عصام بنفسه. وفي كل مرة كان يمر فيها عصام بالشارع، كان يسمع الهمسات: “أهو ده بتاع الطاقة الشمسية جـاء”، أو “أها يا توماس إديسون، اللمبة ولعت ولا لسه؟”.
المأساة: “المشروع الذي مات قبل أن يُولد”
لم يتحمل عصام ضغط “المناخ الساخر”. بدأ يشعر بالخجل من مرآبه، وبدأت الأدوات تعلوها الأتربة. لم يقتله الفشل التقني، بل قتله “الخوف من أن يكون نكتة”. فكك عصام جهازه، وباع أدواته، وقدم طلباً لوظيفة إدارية رتيبة في المدينة.
سيكولوجيا “الردم”: السخرية كأداة للضبط الاجتماعي
في الثقافة السودانية المعاصرة، تطورت “السخرية” (الردم/التهكم) لتصبح وسيلة للدفاع عن الجمود. لماذا يسخر المجتمع السوداني من المبادرين؟
من الفصل الخامس عشر من كتاب سجون المهد.
#مع_عزام



