الأعمدة

محافظة… أم ملكة على عرش الانهيار؟ “

“

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
هنيئاً لك يا سودان. بعد عقود من الحروب والمجاعات والانقلابات، ها أنت تنجب أخيراً “إنجازاً” يستحق التصفيق: محافظة بنك مركزي تتقاضى شهرياً ما لا يحلم به آلاف الموظفين مجتمعين في عام كامل. فالبلد الذي عجز عن دفع رواتب معلميه بانتظام، اكتشف فجأة معنى “الاستقلالية المالية” – حين تعلّق الأمر بجيب واحد فقط.
44 مليون جنيه شهرياً. لنضع هذا الرقم في ميزان الواقع: موظف حكومي بسيط، براتب لا يتجاوز بضع مئات الآلاف من الجنيهات شهرياً، يحتاج إلى عشرات السنين من العمل المتواصل ليجمع ما تتقاضاه المحافظة في شهر واحد. عمر وظيفي كامل، من التخرج إلى التقاعد، لا يعادل فاتورة شهر واحد من راتبها. هذه ليست مبالغة بلاغية، بل حسبة بسيطة يكفي أن يجريها أي مواطن على هامش فاتورة الكهرباء التي يعجز عن سدادها.
والمفارقة أن هذا لم يكفِ، إذ جاء العقد بفصول أكثر هزلاً: ثمانية أشهر أجراً عند الإجازة – وكأن الراحة نفسها تستحق مكافأة على “عناء” مطاردة دولار هارب. ستة أشهر عند كل عيد، أي عام كامل من الرواتب الإضافية يُوزَّع في عيدين، بينما يفتش المواطن عن ثمن لحمة العيد في السوق السوداء. خمسة أشهر بدل لبس، وكأن المنصب استعراض أزياء لا إدارة سياسة نقدية. وعشرة أشهر حافزاً سنوياً – حافزاً على ماذا؟ على انهيار الجنيه من 3,600 إلى 6,300 خلال أشهر؟ إن كان هذا معيار “الحافز”، فكل سوداني يستحق ضعفه مقابل صبره وحده.
ثم بدل العلاج: تسعة أشهر، مع تكفّل الدولة الكامل بعلاجها وعلاج أسرتها في الخارج. هذا في بلدٍ تُغلق فيه المستشفيات أبوابها لغياب الأدوية، ويموت فيه المرضى على أبواب طوارئ بلا أطباء ولا كهرباء. أي منطق يجعل صحة عائلة واحدة أَولى من صحة أمة بأكملها؟
وللرفاهية سقفها أيضاً: منزل بإيجار خمسين مليون جنيه شهرياً – يوازي ميزانية تشغيل مستشفى ريفي لعام كامل – ووقود مولدات بقيمة 2.4 مليون جنيه يومياً، أي أن إنارة صالون واحد تكلف يومياً أكثر مما يجنيه معلم في شهر. تغرق الخرطوم وأمدرمان وبحري في عتمة دائمة، بينما يشتغل مولد واحد بلا كلل ليُبقي الأضواء ساطعة على ما يُسمّى “الإصلاح الهيكلي”.
والأمرّ أن هذا ليس أول اختبار من نوعه لبنك السودان. تحدثت تقارير سابقة عن محافظ اعتذر يوماً عن قبول امتيازات مماثلة قُدّرت وقتها بمليار جنيه، مفضّلاً التخلي عنها على أن يُثقل كاهل مؤسسة يديرها بلد منهك. اليوم، وفي ظروف أشد قسوة – حرب، نزوح، مجاعة تلوح في بعض المناطق – يبدو الحياء المؤسسي قد تراجع لا تقدّم، وكأن كل أزمة جديدة تُنتج شهيّة أكبر لا أقل.
والمفارقة الأعمق أن آمنة ميرغني تولّت المنصب كأول امرأة في تاريخ بنك السودان المركزي، وهو ما قوبل حينها بإشادة واسعة باعتباره خطوة تاريخية في تمكين المرأة السودانية. لكن “الإنجاز التاريخي” الذي كان يُفترض أن يصبح نموذجاً يُحتذى، تحوّل سريعاً – في الخطاب النقدي – إلى عنوان لفضيحة امتيازات. فرصة رمزية كبرى ضاعت لتصبح، بدل أن تكون قصة نجاح تُروى، قصة تُستدعى كمثال على كيف يُفرَّغ الإنجاز من مضمونه حين يُختزل في رقم في كشف راتب.
والمهزلة الكبرى أن كل هذا يجري تحت غطاء الإصلاح – كلمة تحوّلت في قاموس البنك المركزي إلى مرادف لتوزيع الغنائم. فبينما يُصاب التجار بالجنون من قرارات نقدية متضاربة، وبينما يفقد المصدّرون البوصلة، وبينما يتهاوى الجنيه يوماً بعد يوم، كانت الطاقة الحقيقية للمؤسسة موجهة بامتياز نحو مهمة واحدة: تحصين راتب من يُفترض أنها تقود السفينة، وهي تغرق.
من وقّع هذا العقد؟ من راجعه؟ وأين كانت لجان الرقابة حين مرّت أرقام بهذا الحجم؟ أم أن “استقلالية البنك المركزي” – تلك العبارة الرنانة التي تُستدعى لتبرير كل قرار غامض – تعني ببساطة استقلالية عن المساءلة، وعن أي حد أدنى من الحياء أمام شعبٍ ينهش الجوع أطرافه؟
السودان لا يحتاج اليوم بياناً رسمياً يبرر الأرقام أو ينفيها بجملة باهتة. يحتاج تحقيقاً علنياً كاملاً وسؤالاً واحداً لا يحتمل التأجيل: كيف تحوّلت مؤسسة كان يُفترض أن تكون خط الدفاع الأخير عن استقرار العملة الوطنية، إلى أكثر الجهات تفنّناً في حماية استقرار حساباتها الخاصة؟
ملاحظة: الأرقام والتفاصيل الواردة مبنية على ما نشره الكاتب الطاهر ساتي، ولم يصدر عن بنك السودان المركزي أو المحافظة تعقيب رسمي عليها حتى لحظة كتابة هذا النص.

زر الذهاب إلى الأعلى