الأخبار

كيف نقرأ تقرير منظمة العفو الدولية لصالح مشروع «تأسيس»؟

التقارير الدولية عن أوضاع حقوق الإنسان في السودان، وآخرها تقرير منظمة العفو الدولية عن الجرائم في الفاشر وبقية مناطق الحرب، ليست مجرد أخبار تمر، بل أوراق قوة حقيقية لمن يملك مشروع دولة ويحترم حياة الناس. إذا قرأناها بعين تأسيس سنكتشف أنها تمنحنا ثلاث فرص تاريخية:
١. إعادة تعريف الأزمة أمام العالم
تقرير العفو الدولية يضع الحرب في السودان في إطار جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا في إطار صراع على السلطة بين جنرالين. هذا التوصيف يفتح الباب لتدخّل دولي مختلف، يقوم على حماية المدنيين ومحاسبة المجرمين، وليس على إعادة تدوير نفس المنظومة القديمة في ثوب جديد.
بالنسبة لنا في تأسيس هذا يعني أن رؤيتنا للأزمة – باعتبارها أزمة دولة منهارة ومنظومة عنف منظم ضد المجتمع – تجد اليوم صوتاً دولياً يسندها ويعطيها شرعية أخلاقية أمام الرأي العام العالمي.
٢. فرصة لتقديم تأسيس كطرف مسؤول
حين تطالب العفو الدولية بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والتحقيق في الانتهاكات، فهي تفتح مساحة لكل من يلتزم بهذه المبادئ ليظهر كجزء من الحل لا كجزء من المشكلة. هنا يأتي دورنا:
– أن نعلن بوضوح التزامنا بالقانون الدولي الإنساني، ورفضنا لأي استهداف للمدنيين أو تطهير عرقي أو انتهاكات جسيمة.
– أن نربط مشروع تأسيس بفكرة بناء جيش جديد بعقيدة وطنية، وسلطة مدنية تُحاسِب ولا تُغطّي الجرائم، ونضع آليات واضحة للتحقيق والمساءلة داخل مناطق نفوذنا.
بهذا، يتحول التقرير من ورقة اتهام عامة، إلى فرصة نُظهر فيها الفرق بين من يعيش على الحرب ومن يريد أن يبني دولة بعد الحرب.
٣. تعزيز مسارنا السياسي والدبلوماسي
التوصيات الدولية بوقف التسليح، وبنشر قوة حماية، وبفتح تحقيقات مستقلة، لن تُطبَّق تلقائياً؛ لكنها تصبح موضوع نقاش في عواصم القرار. وجود مشروع مثل «تأسيس» يحمل رؤية متماسكة للدولة، ويضع المدنيين في قلب أولوياته، يجعل من السهل على أي طرف دولي أن يرى فينا شريكاً محتملاً، لا مجرد فصيل إضافي في الفوضى.
إذا أحسَنّا استثمار هذه اللحظة، عبر:
– خطاب سياسي هادئ يرحّب بأي جهد دولي لحماية المدنيين،
– استعداد للتعاون مع آليات التحقيق دون التنازل عن استقلال قرارنا الوطني،
– ووضوح في أننا نرفض إعادة إنتاج الشبكات التي أشعلت الحرب،
فسنحوّل التقرير إلى نقطة بداية لمسار جديد، تتقاطع فيه إرادة الداخل مع ضغوط الخارج لصالح بناء دولة مدنية عادلة.
الخلاصة:
تقرير منظمة العفو الدولية ليس تهديداً لمشروع تأسيس بل فرصة لتأكيد أن تحالفنا ليس مشروع قوة أمر واقع أخرى، بل نواة دولة مسؤولة تحترم الإنسان وتضع العدالة في قلب رؤيتها. كلما رفع العالم صوته ضد الجرائم، ازدادت حاجته إلى طرف في الداخل قادر أن يقول: نعم، نريد وقفاً لهذه الحرب، ونريد دولة جديدة لا تعيد إنتاج القتلة، وتأسيس جاهز لتحمّل هذه المسؤولية
إنعام محمدين
المديرة التنفيذية

زر الذهاب إلى الأعلى