✒️تأليف د. عبدالله الفكي البشير
يُمثل كتاب الدكتور عبدالله الفكي البشير “الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف” إسهاماً نقدياً مفصلياً في التأريخ للفكر والسياسة في السودان الحديث. لا يقتصر العمل على استعراض وقائع محاكمة وإعدام المفكر السوداني محمود محمد طه عام 1985 فحسب، بل يتعداه إلى تشريح البنى الفكرية والسياسية والقانونية التي أطرت هذه الواقعة، معيداً قراءتها في ضوء سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية.
🧠الإطار النظري والمنهجية:
يبني المؤلف تحليله على منهجية نقدية متعددة المستويات،تجمع بين التأريخ الأرشيفي الدقيق للمحاكمة وتحليل الخطاب السياسي والقانوني، وسوسيولوجيا المعرفة التي تبحث في علاقة القوة بالمعرفة. كما يستفيد من مفهوم “السياسة الحيوية” لميشيل فوكو في تحليل كيفية استخدام السلطة لجسد محمود محمد طه كموقع لإثبات هيمنتها وإقصاء خطابه. هذا التكامل المنهجي يمكن المؤلف من تفكيك الرواية الرسمية للحدث وبناء رواية مضادة شاملة.
◼️المحور الأول: تشريح الوقائع والسياقات
يحلل الكتاب الوقائع عبر مستويات متداخلة:
1. السياق التاريخي-السياسي: يربط الحادثة بمسار الدولة السودانية ما بعد الاستعمار، وصراع المشاريع السياسية (الإسلاموية، القومية، الليبرالية)، وأزمة الشرعية التي عانت منها حكومة جعفر النميري في أواخر عهده، مما جعل استهداف شخصية بارزة مثل محمود محمد طه محاولة لاستعادة الشرعية عبر خطاب استقطابي.
2. السياق القانوني-الشرعي: يقوم المؤلف بتحليل نقدي معمق لبنود “قوانين سبتمبر 1983” (المعروفة بقوانين النميري الإسلامية)، والاجتهادات القضائية التي قامت عليها محاكمة طه، مبرزاً كيف تم توظيف النصوص القانونية والشرعية وتأويلها بشكل انتقائي لخدمة غرض سياسي، وكيف تم اختزال مفهوم “الردة” من مفهوم فقهي معقد إلى أداة قمعية في يد السلطة.
3. وقائع المحاكمة والخطاب: يقدم تحليلاً دقيقاً لمسرح المحاكمة كفعل أدائي، وخطاب الادعاء، ودفاع محمود محمد طه الذي حوّل قفص الاتهام إلى منصة لتأكيد أفكاره، وموقف القضاء الذي تحول من حَكَم إلى خصم.
◼️المحور الثاني: تشريح بنية “المؤامرة” وتحالفات القوى
هذا المحور هو جوهر الإضافة التحليلية للكتاب،حيث ينتقل من سرد الوقائع إلى كشف الديناميات الخفية:
· تحالف السلطات: يبرز الكتاب كيف تشكل تحالف غير مقدس بين السلطة التنفيذية (النميري ونظامه)، وبعض مؤسسات القضاء، وبعض الخطابات الدينية المؤدلجة، وبعض وسائل الإعلام، لتقديم محمود محمد طه كعدو عام و”خارج على الملة”، مما برر إعدامه.
· الدور الإقليمي والدولي: يوسع الكتاب زاوية التحليل ليكشف كيفية تفاعل السياق الإقليمي (صعود المد الإسلاموي في إيران وباكستان، والصراع العربي-الإسرائيلي) والدولي (الحرب الباردة) مع الأزمة السودانية الداخلية، وكيف استخدمت الأطراف المختلفة قضية طه في حساباتها الجيوسياسية.
· المؤامرة كبنية وليس كمؤامرة: يقدم المؤلف مفهوم “المؤامرة” ليس بالمعنى التبسيطي لاجتماع سري، بل كبنية نظامية، تضافرت فيها مصالح وأيديولوجيات قوى متعددة، كل منها ساهم بدوره في صنع الآلة التي سحقت طه، حتى لو لم تكن هذه القوى تتوافق على كل شيء.
◼️المحور الثالث: تحليل المواقف وتفكيك الذاكرة الجماعية
يحلل الكتاب مواقف القوى السياسية والفكرية السودانية من الحادثة:
· صمت النخب وتواطؤها: ينتقد موقف العديد من الأحزاب السياسية التقليدية والنخب الثقافية التي وقفت متفرجة أو خافت من التعبير عن رفضها الصريح، إما خوفاً من تهمة “الردة” أو لاستغلال الحدث في الصراع السياسي ضد النميري دون اكتراث حقيقي بقيمة العدالة أو حرية الفكر.
· الحركة الإسلامية والتناقض الداخلي: يحلل الموقف المتشعب داخل الحركة الإسلامية السودانية نفسها، بين مؤيد للإعدام، ومعارض له لكن بصمت، ومحاولة تبريره لاحقاً أو التعتيم عليه.
· الذاكرة والنسيان: يتناول الكتاب إرث الحادثة في الذاكرة الجماعية السودانية، وكيف حاولت بعض الأطراف طي الصفحة أو تضييع معالمها، مقابل محاولات أخرى، كالتي يقودها المؤلف، للحفر في الذاكرة واستخراج دروسها.
🔸️الاستنتاجات الرئيسية والرؤية النقدية:
يخلص د.عبدالله الفكي البشير إلى أن إعدام محمود محمد طه لم يكن مجرد جريمة ضد شخص، بل كان:
1. نكبة فكرية: حيث تم إغلاق الباب أمام أحد أهم المشاريع الإصلاحية التجديدية في الفكر الإسلامي الحديث، والذي كان يمثل محاولة للخروج من المأزق التاريخي بين الإسلام التقليدي والعلمانية.
2. انزياح في مفهوم الدولة: حيث تحولت الدولة من فكرة “العقد الاجتماعي” إلى فكرة “الحارس على العقيدة”، مما وسع من سلطاتها التسلطية وفتح الباب لاستهداف أي معارض فكري تحت ذرائع دينية.
3. سابقة خطيرة: حيث أسست لاستخدام قضايا الاعتقاد والردة كأداة في الصراع السياسي، مما لا يزال أثره مُمتداً في الحياة السياسية والسودانية حتى اليوم.
الكتاب، في مجمله، ليس تأريخاً لواقعة ماضية بقدر ما هو تشخيص لأزمة الحاضر السوداني. إنه دعوة لإعادة قراءة التاريخ بعين نقدية، وفك اشتباك الديني بالسياسي، وإعادة الاعتبار لحرية الضمير والفكر كشرط أساسي لأي مشروع ديمقراطي حقيقي في السودان.



