كتب: دكتور كمال محمد الأمين
لعل يوم أمس قد سُطِّر في حوليات التاريخ السوداني بحروف من نور، ففيه تجلت العدالة الدولية بوجهين مكملين: وجه القصاص من الجناة، ووجه الحماية للضحايا. ففي لاهاي، حيث تعقد المحكمة الجنائية الدولية مقرها، صدر الحكم التاريخي بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم “علي كوشيب”، في سبع وعشرين تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها في إقليم دارفور قبل عقدين من الزمان. وفي جنيف، صوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في السودان لعام إضافي، في خطوة تعكس إصرار المجتمع الدولي على مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في بلد ابتُلي بالحرب والدمار.
محاكمة التاريخ والذاكرة
إن إدانة علي كوشيب ليست مجرد حكم قضائي يصدر في حق متهم واحد، بل هي محاكمة لحقبة كاملة من القهر والاستبداد. فهذا الرجل، الذي قاد ميليشيات الجنجويد التي قاتلت إلى جانب الجيش السوداني في عهد النظام البائد، قد أدين بجرائم تقشعر لها الأبدان: القتل، والاغتصاب، والتعذيب، والنهب، والمعاملة الوحشية. كانت هذه الجرائم تُرتكب تحت راية نظام الإنقاذ، الذي جعل من العنف وسيلة لحكم السودان، ومن الإفلات من العقاب ثقافة سائدة.
وقد تساءل كثيرون عبر السنوات الطوال: أين العدالة؟ أين القصاص للضحايا الذين سُفكت دماؤهم، وانتُهكت أعراضهم، وهُدمت بيوتهم؟ واليوم، تأتي الإجابة من لاهاي، من قلب أوروبا، حيث القانون الدولي لا يعرف الحدود الجغرافية ولا يعترف بالحصانات المصطنعة. لقد أثبتت المحكمة الجنائية الدولية أن العدالة، وإن طال انتظارها، لا بد أن تأتي في نهاية المطاف.
الشهادة على الجريمة المستمرة
أما القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان في جنيف، فهو بمثابة شهادة على استمرار المأساة السودانية. فقد صوّت المجلس بأغلبية أربعة وعشرين صوتاً لصالح تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في السودان لعام إضافي، في رسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لن يغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكب في السودان اليوم.
وهنا يجب أن نتوقف عند حقيقة مهمة: إن هذا القرار يميز بوضوح بين طرفي الصراع المسلح وبين القوى المدنية التي ظلت تنادي بالسلام والحوار. فالقوى المدنية الممثلة في “صمود” وغيرها من المكونات المدنية الأصيلة، قد ظلت بعيدة عن لغة العنف والتحريض، ولم تنادِ بالحرب ولم تبررها، بل كانت دائماً في صف الضحايا، تدافع عن حقهم في الحياة الكريمة والأمان.
الإفلات من العقاب: الخطيئة الكبرى
لقد كان الإفلات من العقاب هو الخطيئة الكبرى التي ارتكبها النظام البائد، والتي ورثها الصراع الحالي. فعندما يعلم المجرم أنه لن يحاسب، وأن القانون لن يطاله، فإنه يتمادى في إجرامه، ويزداد وحشية وقسوة. وهذا بالضبط ما حدث في السودان، حيث تحولت الجريمة إلى ظاهرة مستشرية، يمارسها أطراف الصراع بلا رادع ولا وازع.
ولكن إدانة علي كوشيب تمثل كسراً لهذه الدائرة الجهنمية. فهي تقول للجناة، أينما كانوا وأياً كانت مناصبهم: إن العدالة قادمة لا محالة، وإن القانون الدولي له ذراع طويل يطال المجرمين ولو بعد حين. وهي تقول للضحايا: إن آلامكم لم تذهب هدراً، وإن العالم لم ينسَ معاناتكم، وإن الحق سينتصر في نهاية المطاف.
دور القوى المدنية: الموقف الأخلاقي
إن من المهم أن نؤكد هنا على الموقف الأخلاقي الذي اتخذته القوى المدنية الحقيقية في السودان. فهذه القوى، التي تجمعت تحت مظلة “صمود” وغيرها من الأطر الشرعية، لم تنجرّ إلى لغة العنف والتحريض التي سادت الخطاب العام في كثير من الأحيان. لم ننادِ بالحرب، ولم نقل للمجرمين “بس”، ولم نسمِّهم بالألقاب المهينة التي كان يطلقها عليهم “البلابسه” وغيرهم من المنتمين إلى أجهزة النظام البائد وامتداداته.
بل على العكس من ذلك، ظلت هذه القوى تنادي بالسلام، وتدعو إلى وقف إطلاق النار، وتطالب بحماية المدنيين، وتدافع عن حقوق الإنسان. وهذا الموقف الأخلاقي هو الذي جعل قرار مجلس حقوق الإنسان يميز بوضوح بين المدنيين وبين أطراف الصراع المسلح. فالمدنيون ضحايا، والقوى المدنية شريكة في النضال من أجل العدالة والسلام.
العبرة والدرس
إن العبرة من هذين الخبرين واضحة: العدالة الدولية ليست شعاراً يُرفع، بل هي حقيقة واقعة، ولو بعد حين. والإفلات من العقاب لن يدوم إلى الأبد، مهما طال الزمن. والمجتمع الدولي، رغم كل ما يُقال عن ازدواجية معاييره وانتقائية مواقفه، لديه آليات للعدالة والمساءلة، وهذه الآليات قادرة على محاسبة المجرمين ومنصفة للضحايا.
ولكن، في الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن العدالة الدولية وحدها لا تكفي. فالسودان بحاجة إلى عدالة وطنية، بحاجة إلى محاكم سودانية تحاسب المجرمين، بحاجة إلى نظام قضائي مستقل ونزيه يحمي حقوق المواطنين. وهذا لن يتحقق إلا بتحقيق السلام، وإنهاء الحرب، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتحمي كرامته.
لقد كان يوم أمس يوماً تاريخياً بحق، يوماً انتصرت فيه العدالة على الظلم، والحق على الباطل. ولكنه أيضاً يوم يُذكِّرنا بأن الطريق لا يزال طويلاً، وأن المعركة من أجل السلام والعدالة لم تنتهِ بعد. فالسودان لا يزال يعاني من الحرب والدمار، والمدنيون لا يزالون يدفعون الثمن الأغلى من دمائهم وأرواحهم.
ولكن، رغم كل هذا الظلام، فإن يوم أمس قد أضاء شمعة أمل. لقد أثبت أن العدالة ممكنة، وأن المحاسبة قادمة، وأن الضحايا لن يُنسوا. وهذا الأمل هو ما يجب أن يدفعنا إلى المضي قدماً، إلى مواصلة النضال من أجل سودان حر، عادل، ديمقراطي، يعيش فيه جميع أبنائه بكرامة وأمان.
إن إدانة علي كوشيب وتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق ليسا نهاية المطاف، بل هما محطتان في رحلة طويلة نحو العدالة والسلام. ويجب علينا، نحن السودانيين، أن نواصل هذه الرحلة بإصرار وعزيمة، وأن نحافظ على موقفنا الأخلاقي الذي يميزنا عن المجرمين والقتلة. فنحن لسنا مثلهم، ولن نكون مثلهم، ولن ننزل إلى مستواهم من العنف والكراهية.
نحن شعب يعشق السلام، ويؤمن بالعدالة، ويحترم حقوق الإنسان. وهذا هو ما سيجعلنا ننتصر في النهاية، ليس بالسلاح والعنف، بل بقوة الحق والأخلاق.
ختاما —
أدانت المحكمة الجنائية الدولية علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ”علي كوشيب”، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في واحد وثلاثين تهمة تشمل القتل والاغتصاب والتعذيب والنهب، وذلك عن جرائم ارتكبها في دارفور بين عامي 2003 و2004. وفي اليوم نفسه، صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لصالح تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في السودان لعام إضافي.
هذان الحدثان يمثلان خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة والمساءلة في السودان، ويعطيان الأمل للضحايا ولكل من ينشد السلام والكرامة الإنسانية.



