عبد الكريم البليخ
لا شكَّ أنَّ البخل من أبشع الصفات التي قد يتفاخر بها البعض. فهو صفة تُهين النفس، وتُسهم في إذلالها، متجاهلين أن النفس التي أكرمها الله قد جُبلت على الحب والعطاء. لقد ميّز الله الإنسان عن سائر المخلوقات بهذا الكرم الفطري، فكيف يُمكن للبعض أن يتجاهل هذا الشرف الإنساني ويتفاخر بالبخل؟
البخل ليس مجرد صفة سلبية؛ بل هو إهانة للذات وللآخرين. الشخص البخيل لا يقتصر بخله على نفسه، بل يمتد ليشمل أبناءه وأقاربه، محرماً إيّاهم من أبسط متطلبات الحياة، رغم قدرته على توفيرها. المفارقة المؤلمة هي أن البخلاء أحياناً يشعرون بالزهو حينما يرون أقرب الناس إليهم يعانون الحاجة، وكأنهم يعتزّون بحرمانهم للآخرين، متفاخرين بتصرفاتهم التي لا تُرضي صديقاً ولا عدواً.
يُقال إنّ البخل مرض نفسي وتربوي يتولد عن الحرمان في الصغر، أو ينشأ من شخصية أنانية تكره العطاء وتفتقر إلى الإحساس بالأمان. وقد تكون جذوره فطرية في بعض الحالات. هذه الصفة لا تقتصر على ممارساتها اليومية، بل تصاحب البخيل إلى الآخرة، كما جاء في قول الله تعالى:
“وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ”. (سورة آل عمران: 180).
وهذا يُظهر أن البخلاء سيُثقلون بعواقب أفعالهم يوم القيامة، حيث يصبح ما بخلوا به طوقاً حول أعناقهم.
في السنة النبوية، حُذر المسلمون من البخل والشحّ. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ البخل لا يجتمع مع الإيمان في قلب المؤمن الصادق، وتعوذ منه في دعائه، مشيراً إلى أثره السلبي على الفرد والمجتمع. كما أوصى الصحابة بالحذر من البخل لأنه سبب في استحقاق العذاب ومانع من دخول الجنة.
ومن القصص الطريفة التي تُبرز سلوك البخلاء، يُحكى أن بخيلاً وقع في حفرة، فتجمّع الناس لمساعدته. قالوا له: “أعطنا يدك”، لكنه رفض مدّ يده. فجاء شخص حكيم وقال: “قولوا له: خُذ يدي”، فمد يَده وأخرجوه. هذه القصة ترمز إلى أن البخيل يرفض العطاء حتى في أكثر الظروف احتياجاً.
لم يغفل الأدب العربي عن نقد البخل وتصويره في صور ساخرة. قال الأخطل في هجاء قوم جرير:
“قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبهُمُ..
قالوا لأمّهِمِ: بُولي على النّارِ
فتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلاً أنْ تجودَ بهِ..
وما تبولُ لهم إلا بمقدارِ”.
هذا الوصف يُبرز بخلاً يصل إلى أبسط الأشياء، ليصبح البخل سلوكاً يُعبّر عن قسوة النفس وغياب الكرم حتى في أقل التفاصيل.
ويقول زهير بن أبي سلمى: “ومن يكُ ذا فضل فيبخل بفضله.. على قومه يستغن عنه ويذمم”.
أما علي بن أبي طالب فقال: “البُخلُ جِلبابُ المسكنةِ، وربَّما دخل السَّخِيُّ بسَخائِه الجنَّةَ”. وقال أيضاً “البخلُ جامعٌ لمساوئِ العيوبِ، وهو زمامٌ يُقادُ به إلى كلِّ سوءٍ”.
لنكن أمناء مع أنفسنا وأبنائنا، فالحياة لا تُبنى على التقتير والإمساك. بل يجب أن نعمل على توفير احتياجات أسرنا ومساعدتهم على العيش بكرامة، بدلاً من التذرّع بالفقر أو الحاجة، في حين أن البخيل غالباً ما يَملك ما يمكنه من تحقيق ذلك. الكرم لا يعني التبذير، لكنه وسيلة لإظهار الحب والوفاء للأهل، وإحياء القيم الإنسانية في داخلنا.
البخل ليس فضيلة يمكن التفاخر بها، بل هو وصمة تُثقل كاهل صاحبها في الدنيا والآخرة. ومن الضروري أن نسعى للتخلص من هذه الصفة، وأن نتذكر أن الحياة تقوم على العطاء والكرم، كما أمرنا الله ورسوله، وأن نربي أبناءنا على القيم النبيلة التي تعكس إنسانيتنا.



