الأعمدة

العدو الأمريكي!

الجنرال بيليد ، أحد قادة جيش العدو الإسرائيلي في حرب 67 ، فاجأ العالم بما لم يخطر على بال أو خيال أحد  في فبراير من العام  1972 عندما أعلن خلال مؤتمر صحفي عقده في تل أبيب ، أنه ضاق ذرعا بسلسلة الأكاذيب والأساطير التي يعيش عليها الشعب الإسرائيلي من قيام دولته وأنه قرر الاستجابة لنداء ضميره وأن يعلن: “أن ذروة الغش والخداع كانت في حرب 67 التي أقنعنا شعبنا والعالم أنها كانت دفاعية ضد خطر قادم من مصر والتي لم تكن في حقيقتها سوى حرب عدوانية قمنا بها لحساب الولايات المتحدة الأمريكية “.

وضع بيليد يده على “مدخل النفق” الذي تخرج منه المؤامرات على مصر .. نعم الولايات المتحد الأمريكية تعد العدو الأول والأخطر علينا  وكل العرب يدركون ذلك ، حتى عندما أرادت السعودية الانتقام من عبد الناصر لإهانته آل سعود ، وإرسالة الطائرات المصرية لقصف نجران وأبها وجيزان (حرب اليمن)، لم تجد المملكة سوى الولايات المتحدة الأمريكية لشفاء غليلها من ناصر ، وطلبت منها أن تحث إسرائيل على احتلال سيناء، بنص خطاب موجه من الملك فيصل إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون العام 1966 ، فكان عدوان 1967 وهزيمة مصر عسكريا.

لسنا هنا بصدد تقليب “المواجع” القديمة ، فعلى الأقل وقفت السعودية والملك فيصل على وجه الخصوص مع مصر في حرب اكتوبر 73 ، وأوجعت الغرب والولايات المتحدة بسلاح النفط، إلا أن واقعة استعداء أمريكا  على مصر ، تشير إلى أن اللجوء إليها للإنتقام من ناصر كان لاطمئنانها وثقتها في عداء امريكا لأي دولة عربية (خصوصا مصر) تسعى للاستقلال الوطني وبناء اقتصاد لديه المقدرة على الاستغناء عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي التابع لامريكا وجماعات الضغط اليهودية في واشنطن.

كشف خطاب الملك فيصل لجونسون عن أن المملكة السعودية واثقة من  أن أمريكا هى الطرف الذي يضمر العداء لمصر ، ولن تتردد في “كسر” القاهرة لصالح “المصالح” ، وإلا ما لجأت إليها لحثها وتشجيعها لضرب “مشروع” جمال عبد الناصر في الاستقلال الوطني .. اتفق أو تختلف على مشروع ناصر ، إلا أن ذلك لا ينفي أن السعودية اعتبرت أن أمريكا العدو الأكثر تهديدا لمصر.

في العام 1973 ، وبعد قيام القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس وتحطيمها خط بارليف ، سارعت الولايات المتحدة إلى بناء جسر جوي لتعويض العدو الإسرائيلي عن خسائره، بل وشاركت في تطويق الجيش الثالث بالاستطلاع والاستخبارات والسلاح، وبعدها ضغطت امريكا على الرئيس الراحل انور السادات من أجل رفع الحظر البترولي الذي فرضته الدول العربية المنتجة للنفط ، وبالفعل خاطب السادات الرئيس الأمريكي نيكسون مؤكدا له ثقته في أن وزراء البترول العرب الذين سيجتمعون فى طرابلس يوم 14 فبراير 1974 سيعطون التأييد الرسمى لقرار رفع الحظر، وسيتقدم وزير البترول المصرى بمشروع الاقتراح رسميا فى هذا الاجتماع، وهذا ما حدث وتم رفع الحظر .. كان السادات يدرك بدوره أن أمريكا عدو لا يستهان به وتجنبه قد يجلب الخير علينا، واعتقد وقتها أنه يمكن تحييد الولايات المتحدة في الصراع مع إسرائيل بالإنضمام إلى ركبها وقافلتها المستهدفة الشرق الأوسط.

بالخوف والرعب والمصالح “العائلية” صادقت غالبية الدول العربية الولايات المتحدة الأمريكية ، وانزوى البعض الآخر منها ، بعيدا عن “الدمل” الصهيوني ، الذي يقلقها.

الغالبية العظمى من العرب، بما فيهم مصر ، يرون الأمريكان أعداء لا سبيل إلى تجنب شرورهم سوى الانصياع لمطالبهم ، وأن أمريكا هي الحل الأوحد لإلجام الكيان الصهيوني عن مشروعاته في التوسع والانتقام وابتلاع كل فلسطين .. لكن حرب غزة أثبتت زيف ووهم هذا الاعتقاد ، و”حذاء” الفيتو الذي ترفعه الولايات المتحدة الأمريكية في وجه “التوسلات” العربية ، من أجل إدخال المساعدات الإنسانية (فقط) إلى غزة خير دليل.

أرجوكم لا يتحدث أحد بعد الآن ، عن ما درجنا على تسميته بـ “الصديق الأمريكي” ، ولنكن أمناء مع ضمائرنا ومع التاريخ ، ونقول ” العدو الأمريكي .

كل رؤساء مصر بلا استثناء من ناصر إلى السيسي متأكدون من أن الولايات المتحدة تعد العدو الأول للعالم العربي ولمصر، بسياستها المفضوحة الداعمة والموالية لإسرائيل ، ومشروعاتها التي لا تنقطع في فرض الهيمنة على الأمة العربية كلها من خليجها إلى محيطها، إلا أن الوقت حان لنصارح أنفسنا دون مواربة : “الصداقة مع الإدارات الأمريكية ليست أفضل من عدائها”.

إيران التي تعاديها واشنطن منذ العام 1979، ما تزال واقفة على قدميها أمام تهديدات البيت الإبيض ومجلس الحرب الصهيوني، التي لا تنقطع أبدا منذ ما يقترب من النصف قرن من عمر الزمان .. صحيح أن إيران تعاني الحصار الأمريكي والعقوبات الغربية، لكنها لم “تمت” من الجوع ، وأجبرت الغرب والولايات المتحدة على احترامها ، وأخذ مصالحها في الاعتبار، لإن طهران تنتج كل ما يحتاجه المواطن الإيراني من مأكل ودواء وكساء.

تجربة إيران مع الولايات المتحدة ومن قبلها حرب فيتنام، وما بينهما في كوبا ولبنان وأفغانستان، تؤكد لنا إن مصر لن “تموت” بدون أمريكا ، وأن التحرر من قيد “العدو” الأمريكي يشبه مشوار الألف ميل .. بيد أن “المشوار” يبدأ بخطوتين وليس واحدة:

1ـ  الإنتاج والاكتفاء بالموارد الذاتية المتاحة لدينا، أول خطوة في المشوار الطويل، فعلى الأقل لن نتكبد خسائر اقتصادية أكثر من ما نتكبده الآن.

2 ـ التحالف مع المقاومة الفلسطينية بـ “السياسة” ورقة القوة المتاحة لدينا حاليا في ظل قيود “السلام” التي تكبل وتقيد اختياراتنا وبدائلنا .. المقاومة الفلسطينية ورقة مصر القوية للصعود “درجة” على سلم التحرر من القيد الأمريكي ، تأهبا للصعود إلى الدرجة التالية ، التي تتيح لنا: كيف نقول “لا” لأمريكا .. ومتى نقول لها “نعم”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى