الأعمدة

حول الجهود الدولية المبذولة في قضية التغير المناخي

تعرف الأمم المتحدة تغير المناخ بأنه التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس. ومنذ الثورة الصناعية تفاقمت ظاهرة الإحتباس الحراري الناتج من النشاط البشري ، حيث يعيق تراكم غازات الإحتباس الحراري في الغلاف الجوي  الإنعكاس الحراري من سطح الأرض إلى الفضاء الخارجي، وبذلك تظل الحرارة حبيسة الغلاف الجوي للأرض ، مما يرفع درجة حرارة الكوكب .
ومع تزايد تركيز غازات الإحتباس الحراري في الجو ، وأهمها غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن إحتراق الوقود الأحفوري ( البترول والفحم الحجري والغاز الطبيعي ) تتزايد العلامات والكوارث المرتبطة بالتغير المناخي ، و تبدو أبرز علامات التغير المناخي في إرتفاع درجات الحرارة في كل أنحاء العالم ، وقد زادت درجة حرارة الأرض ، وأصبحت أكثر دفئا بنسبة 1.1 درجة مئوية مما كانت عليه في القرن التاسع عشر ،  و تشمل عواقب وكوارث تغير المناخ الجفاف والحرائق والفيضانات وتقلص مساحة اليابسة والعواصف وتدهور التنوع البيولوجي  والانتاج الغذائي.
وقد كانت أبرز الخطوات القانونية للأمم المتحدة بشأن قضية تغير المناخ هو إنجاز إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ الموقعة في العام ١٩٩٢ فيما يعرف بقمة الأرض والتي عقدت في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل ، وصادقت عليها حتي الأن ١٩٦ دولة إضافة للإتحاد الأوروبي ، وتهدف الي منع  التدخل البشري الخطير علي النظام المناخي ، وأنبثق من هذه الاتفاقية مؤتمر الأطراف وهو هيئة إتخاذ القرار ، ويُعقد مؤتمر الأطراف الذي يضمُّ جميع الدول الأطراف في الاتفاقية كلَّ عام بهدف تقييم تطبيق  الإتفاقية ، والتفاوض علي إلتزامات جديدة تدعم تنفيذ أهداف الإتفاقية الإطارية .
أعقب ذلك توقيع بروتوكول كيوتو للمناخ الموقع في العام ١٩٩٧ والمصادق عليه من ١٩٥ دولة ، وبروتوكول كيوتو في اليابان أول خطوه تنفيذية لانزال إتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ علي أرض الواقع بهدف خفض إنبعاثات غازات الإحتباس الحراري خاصة ثاني أكسيد الكربون ، إلا أن بروتوكول كيوتو لم يحقق أهدافه لعدم توقيع الولايات المتحدة الأمريكية عليه ، وإنسحاب بعض الدول الاخري منه مثل روسيا وكندا واليابان وغيرها ، وتمت الاستعاضة عن بروتوكول كيوتو الذي إنتهي أجله في ٢٠٢٠ بإتفاقية باريس للمناخ الموقعه في أبريل من العام ٢٠١٦ والموقع عليها حتي الأن من قبل ١٩٤ دولة بالاضافة إلي الاتحاد الأوروبي  و تهدف الي تعزيز إستجابة العالم لخطر تغير المناخ من خلال تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي الحد من إرتفاع درجة الحرارة الي 1.5  درجه مئويه ، و مراجعة التزامات الدول بشأن خفض الإنبعاثات كل خمس سنوات ، وأخيرا توفير التمويل المتعلق بالمناخ للدول النامية.
وقد طالب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الصادر في أكتوبر من العام ٢٠١٨  العالم بضرورة الحد من الإحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية وأن ذلك بحسب نص التقرير ” يتطلب تحولات سريعة وبعيدة المدى في الأرض والطاقة والصناعة والمباني والنقل والمدن ” ، و أنه يجب أن تنخفض الانبعاثات العالمية الصافية الناتجة عن إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو ٤٥٪ عن مستويات عام ٢٠١٠ بحلول عام ٢٠٣٠ ، لتصل إلى “صافي الصفر” في حوالي عام ٢٠٥٠ ، وهذا يعني إزالة أي إنبعاثات متراكمة ومعلقه لثاني أكسيد الكربون في الهواء.
وقد أشارت إحصائيات الأمم المتحدة الي أن التحول للإقتصاد المراعي للبيئة يمكن أن يؤدي الي مكاسب إقتصادية تقدر ب٢٦ تريليون دولار حتي عام ٢٠٣٠   مقارنة بالاقتصاد المعتاد ، كما يمكن أن تنتج ٢٤ مليون وظيفة مقارنة بفقدان ٦ ملايين وظيفة نتيجة للتحول الي الطاقة المتجددة والمباني الموفرة للطاقه وتصنيع المركبات  الكهربائية.
وقد أسفرت الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف، التي عقدت في نوفمبر من العام ٢٠٢١ في مدينة غلاسكو باسكتلندا ، علي الإتفاق على قواعد تطبيق إتفاق باريس للمناخ أو مايعرف بلائحة قواعد باريس ، والتفاصيل التشغيلية للإتفاق.
وأكدت كل الدول المشاركة علي ضرورة الالتزام بخفض درجات الحرارة العالميه الي اقل من درجتين مئويتين والسعي للحد منها إلى 1.5.كما تعهدت الدول المشاركة في الالتزام بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة ٤٥٪  للوصول إلى صافي صفري في ٢٠٥٠ م ، كما  أتفقت الدول المشاركة علي أهمية التخلص التدريجي من الإعتماد علي الوقود الأحفوري المسبب للإحتباس الحراري، وإن شكك ناشطون في مجال البيئة علي صدق وجدية إلتزام هذه الدول في الايفاء هذا الإلتزام .
كما توافقت الدول المشاركة علي ضرورة الحوار لمناقشة الترتيبات الخاصة بتمويل الأنشطة المكافحة لتقليل الأضرار السالبة لتغير المناخ.وقد كان موضوع التمويل أحد نقاط الخلاف الرئيسية في مؤتمر غلاسكو ، حيث تراجعت دول الشمال عن تعهدات إتفاق باريس للمناخ الذي ينص علي دعم مالي يقدر ب١٠٠ مليار دولار سنويا لدول الجنوب بداية من عام ٢٠٢٠ في إطار دعم دول الجنوب للتحول لمصادر الطاقة النظيفة ومعالجة أضرار التغير المناخي ، وقد دعا المؤتمر الدول الغنية لمضاعفة تمويلها المالي للتعامل مع تغير المناخ بحلول عام ٢٠٢٥ م.
وقد أثمر المؤتمر عن تعهدات واتفاقات بين عدد من الدول فيما يخص الحفاظ علي الغابات والغطاء النباتي وقد إلتزمت ١٣٧ دولة بذلك ، كما التزمت مؤسسات مالية بالقضاء علي كل الاستثمارات المرتبطة بإزالة الغابات، كما التزمت ١٠٣ دولة
بالحد من إنبعاثات غاز الميثان أحد الغازات المتسببة في الإحتباس الحراري،وتخفيضه بنسبة٣٠٪ بحلول عام ٢٠٣٠   مقارنة بمستويات عام ٢٠٢٠، كما تم الالتزام بين أكثر من ٣٠   دولة وست شركات تصنيع سيارات علي أن تكون جميع مبيعات السيارات خالية من الانبعاثات علي مستوي العالم بحلول عام ٢٠٤٠. كما أنشي تحالف في غلاسكو بين مؤسسات القطاع الخاص والبنوك المركزية بأصول مالية تقدر ١٣٠ تريليون دولار بهدف تحقيق صافي إنبعاثات صفرية علي مستوي العالم إستثمارا في المعرفة والعلم والتقنيات للوصول لتحقيق هذا الهدف.

كما تم عقد شراكة بين دولة جنوب إفريقيا وعدد من الدول المتقدمة للانتقال بجنوب أفريقيا من الإعتماد علي الفحم الي مصادر طاقة بديلة منخفضة الكربون وقد رصدت لذلك ميزانية تقدر بثمانية ونصف مليار دولار.

وبرغم ماتحقق من تعهدات في مؤتمر غلاسكو للمناخ في قمة الأطراف ٢٦  ، الإ أن رئيس قمة الأمم المتحدة للتغير المناخي كوب ٢٦ السيد (ألوك شارما) وصف ماتحقق في غلاسكو بأنه:” إنتصار هش”.
وفي مؤتمر  المناخ كوب ٢٧ المنعقد في شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية في نوفمبر ٢٠٢٢ تم إقرار صندوق الخسائر والاضرار لمساعدة البلدان الفقيرة على معالجة آثار التغيرات المناخية كما تم اضافة مصطلح الحلول المستندة للطبيعة كتعزيز  الغابات وحمايتها  حيث تعهد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بالتوقف عن إزالة غابات الأمازون بحلول عام ٢٠٣٠ .
كما تم مناقشة ازمات التنوع البيولوجي وعلاقتها بأزمات التغير المناخي،  و زادت عدد من الدول والمنظمات تعهداتها المالية لمواجهة مخاطر التغير المناخي. لكن يبقى المحك الحقيقي هو مدي التزام هذه الدول والمنظمات بما وعدت به، والوفاء بهذه الإلتزامات المالية التي يمكن أن تساهم  في تخفيف آثار التغيرات المناخية. أيضا تم مناقشة ضرورة التخفيف من الانبعاثات الكربونية وضرورة ان تتحول الشركات والدول الي مصادر الطاقه المتجددة.  
وفي مؤتمر المناخ كوب ٢٨ الذي أنعقد في  نوفمبر من العام الماضي في مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى مدار اسبوعين، وبحضور أكثر من ٨٠ الف شخص، حيث تم إنشاء صندوق ” ألتيرا ”  للتمويل المناخي من قبل دولة الإمارات برأس مال قدره ٣٠ مليار دولار ، وصندوق ألتيرا صندوق إستثماري خاص صمم  لسد فجوة التمويل المناخي وتيسير الحصول عليه بتكلفة معقولة ، و يهدف إلى جمع واستثمار ٢٥٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠. بالاضافة إلى ذلك تعهد مؤتمر كوب ٢٨ بأكثر من ٨٥ مليار دولار كالتزامات مالية تجاه قضايا المناخ.كما  تم تفعيل صندوق الخسائر والاضرار الذي تم إقراره في قمة شرم الشيخ للمناخ (كوب ٢٧)  بتعهدات مالية لاتقل عن ٧٩٢ مليون دولار مساعدة للبلدان الفقيرة  للتعامل مع الآثار الكارثية لتغير المناخ .
كما تم التوصل إلى اتفاق يقضى بضرورة الانتقال من استخدام الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، بطريقة متدرجة وفعالة وعادلة ، لتحقيق  هدف صافي انبعاثات صفري بحلول عام ٢٠٥٠.
كما انتقد مؤتمر المناخ كوب ٢٨ الدول الغنية لعدم التزامها بتعهداتها المالية السابقة والتي قطعتها على نفسها منذ سنوات خلت وتقدر ب ١٠٠ مليار دولار سنويا. حيث تقدر  حاجة دول الجنوب لمبلغ 2.4 تريليون دولار سنويا للتعامل مع تحديات تغير المناخ .
ما سبق محاولة لعرض أبرز المحطات والجهود الدولية المبذولة في قضية التغير المناخي التي تمثل أكبر تحد يواجه كوكبنا ويهدد إستمرار الحياة فيه ، وقضية التغير المناخي قضية ذات طبيعة عالمية  ، وتحتاج الي أكبر تعاون وتضامن دولي ممكن ، وهي إمتحان صعب يواجه المنظومة الدولية من أجل تلافي الآثار الكارثية لتغير المناخ علي حاضر ومستقبل الحياة والناس في كوكب الأرض ، والمقال دعوة لكل الناشطين ولصناع الرأي للاهتمام والتنوير بقضية التغير المناخي وقضايا البيئة علي وجه العموم ، ووضعها في صدارة إهتمامات الرأي العام المحلي والعالمي ، خاصة مع إرتفاع أصوات التيارات التي تدعو للنمو الإقتصادي الذي لايراعي ضمان سلامة البيئة والمحافظة علي صحة وحياة كوكب الارض.

    

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى