جاء في الأنباء أخيراً أن جماعة حزب الأمة المنضوية تحت لواء (صمود) قد أبدت اعتراضاً، أو بالأحرى تحفظاً، خلال مناقشة وثيقة الاجتماع الأخير للمجموعة في نيروبي، على عبارة «العلمانية» المقترح إطلاقها على دولة الحكم المدني المنشودة بعد توقف الحرب، وتحييد المنظومات العسكرية عن الحكم والاقتصاد، بل وعن العمل السياسي بأسره، عقب إعادة تكوين الجيش الوطني الموحد على أسس العقيدة العسكرية التي تنحصر مهمتها في حماية الحدود والدستور، ليخضع الجيش لسلطة الإدارة المدنية لا أن تكون الإدارة المدنية خاضعة له كما هو الحال الآن.
ورغم أن مسألة توصيف الدولة أو تحديد نهجها تظل سابقة لأوانها، باعتبار أن ذلك ينبغي أن يكون من اختصاص مؤتمر دستوري وطني شامل يقر الصيغة المناسبة لمستقبل الدولة ومسماها، على أن تعتمد مخرجاته لاحقاً بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب، إلا أن من المفيد التوقف عند أسباب التحسس الذي تبديه بعض الأحزاب الطائفية التاريخية، بما تحمله من امتدادات صوفية وعاطفة دينية وسط جماهيرها، تجاه مصطلح «العلمانية».
فهذا المصطلح ارتبط في الذهنية التقليدية لتلك الطوائف بمعانٍ تتصل بالإلحاد أو بإقصاء الدين من الحياة العامة، وهي صورة ظلت جماعة الإخوان المسلمين تعمل على ترسيخها في الوعي السياسي والاجتماعي عبر عقود طويلة. ولعل من أبرز تجليات ذلك التحالف الذي نشأ بينها وبين بعض تلك القوى في قضية حل الحزب الشيوعي السوداني خلال الديمقراطية البرلمانية القصيرة في أواخر ستينيات القرن الماضي، وطرد نوابه من البرلمان، في سابقة اعتبرها كثيرون أحد أقوى المسامير التي دُقت في نعش تلك التجربة الديمقراطية، ومهدت الطريق لعودة الانقلابات العسكرية التي وجدت دعماً من قوى أيديولوجية متباينة، يسارية ودينية على السواء.
ومن هنا، فإن تجاوز الجدل حول مصطلح «العلمانية» قد يمثل مخرجاً عملياً من هذه العقدة السياسية والفكرية، خاصة إذا كان الخلاف يدور حول الاسم لا حول المضمون. فثمة تسميات أخرى، مثل «الدولة المدنية»، يمكن أن تؤدي الغرض ذاته من حيث الأهداف والنتائج، بما يفضي إلى قيام دولة ديمقراطية حديثة تقوم على الفصل بين السلطات، وتحدد موقع الأديان في الدستور باعتباره العقد الاجتماعي والقانوني المنظم للتنوع الجغرافي والديمغرافي في البلاد.
كما أن مثل هذه الصيغة تتيح الاتفاق على شكل البناء الإداري والتنفيذي للدولة، سواء أكان مركزياً أم لا مركزياً، وفق ما يتوافق عليه شركاء الوطن، وبما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويجنب البلاد صراعات المصطلحات التي كثيراً ما حجبت جوهر القضايا الكبرى.
والله من وراء القصد.



