تقارير

بولس لم يقل “لا”… قراءة عسكرية في خيار فرض فتح ممرات إنسانية في السودان

منذ أن تولى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الملف السوداني، تحركت واشنطن بين مسارين متلازمين، هما محاولة الوصول إلى هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات وحماية المدنيين، وضغط سياسي على طرفي الحرب للانتقال من الخيار العسكري إلى هدنه إنسانية ثم انطلاق عملية سياسية يقودها المدنيون تفضي في نهايتها إلى انتقال مدني.
غير أن ما قاله بولس في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي فتح باباً جديداً في طبيعة الأسئلة المطروحة حول مستقبل الأزمة.
بثّت قناة “سكاي نيوز عربية” يوم السبت 19 الماضي مقابلة مع بولس تحدث فيها عن جهود واشنطن مع دول الرباعية، لفتح مسار جديد نحو وقف إطلاق النار. وفي المقابلة سُئل عما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع “force open humanitarian corridors” (فرض فتح الممرات الإنسانية بالقوة).
ونقلت صحيفة «ذا ناشيونال» المقابلة في اليوم نفسه، وذكرت أنه أجاب بأن واشنطن تعمل مع شركائها الدوليين والإقليميين “on the issue” (بشأن هذه المسألة)، وأن الهدف يبقى هدنة إنسانية تكون مدخلاً إلى تسوية سياسية أوسع.
بولس لم يعلن أن واشنطن قررت استخدام القوة، ولم يقل إن هذا الخيار مطروح للتنفيذ العسكري. وفي الوقت نفسه، لم يُنقل عنه أي نفي للفكرة.
أما الجواب الذي يكتفي بالحديث عن العمل مع الشركاء على المسألة، فيُبقي الخيار حاضراً على الطاولة ويمنح واشنطن ورقة ضغط على طرفي الحرب. ويزداد وزنه لأن بولس نفسه اعترف بأن الخطة الأميركية المطروحة منذ العام الماضي لم تحقق النتائج المطلوبة حتى الآن، مع تأكيده أن واشنطن تريد وضعها موضع التنفيذ.
وقد كرر بولس في المقابلة أن “There is no military solution in Sudan” (لا يوجد حل عسكري في السودان)، وأضاف أن الحل الوحيد سلمي. هذه العبارة تصف طريقة إنهاء الحرب. وحماية طريق للغذاء والدواء مهمة أضيق بكثير، تُقاس بأهداف محددة ومدة محدودة، ولا تتطلب حسم الصراع لصالح أحد الطرفين.
مسار ثانٍ
وتتحرك واشنطن في مسار ثانٍ أكثر وضوحاً، ألا وهو توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله. وقد منح مجلس الأمن هذا الشهر أعضاءه مهلة شهر لمناقشة المقترح الأميركي، وقال بولس إن واشنطن ستستثمر الوقت في التفاوض مع الأعضاء، ومنهم روسيا والصين اللتان عارضتا التوسيع.
ووصف الحرب بأنها حرب مسيّرات في جوهرها، وهو وصف مهم عسكرياً لأنه يحدد طبيعة التهديد الذي سيواجهه أي ممر محمي.
والمواقف على الأرض متباعدة. قوات الدعم السريع أعلنت قبولها هدنة إنسانية مدتها 90 يوماً مع رفض جوانب من ترتيبات الانسحاب المقترحة، بينما تعهد قائد الجيش بمواصلة القتال حتى هزيمتها. وحين تتباعد المواقف إلى هذا الحد، يصبح الحديث عن بدائل أشد صرامة جزءاً طبيعياً من الحسابات.
حجم الكارثة
الأرقام تعطي هذه الحسابات ثقلها. إذ يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي 41% من السكان، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 135 ألفاً في مرحلة الكارثة وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، وتقع 14 منطقة في شمال دارفور وجنوبها وجنوب كردفان تحت خطر المجاعة.
ويتجاوز عدد النازحين 8.9 مليون شخص، وتعطل نحو 40% من المرافق الصحية، ويبقى الوصول الإنساني مقيداً بشدة. ويُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم هذا العام. وتكشف هذه الأرقام حجم ما يترتب على إغلاق الطرق.
لذلك، فإذا فشلت الضغوط السياسية في تأمين وصول المساعدات، يمكن أن يأخذ مفهوم “humanitarian corridors” (الممرات الإنسانية) أشكالاً متعددة، ومعظمها لا يتضمن حرباً أميركية داخل السودان.
خيارت الممرات الإنسانية
أخف هذه الأشكال ممر عبر الحدود من دول الجوار، وتمثل جهة تشاد في دارفور مثاله الأوضح. ميزته العسكرية أن نقطة الانطلاق خارج ساحة القتال، وأن المسافة إلى تجمعات النازحين محدودة نسبياً، وثغرته أن أي قافلة على هذا المحور مكشوفة للمسيّرات، فلا تكفي معها الحراسة الأرضية.
ويحتاج الخيار إلى ترتيبات أمنية وسياسية تمنع استخدام الطريق لأغراض عسكرية وتضمن حركة العاملين الإنسانيين والمدنيين.
يليه ممر داخلي بنافذة زمنية متفق عليها وآلية مراقبة مستقلة، وتؤدي القوة فيه دور الردع والحماية إذا تعرضت القوافل أو المدنيون للخطر.
ويتطلب ذلك مراقبة جوية مستمرة وإنذاراً مبكراً وخط اتصال مباشراً مع قيادات الميدان لتفادي سوء التقدير. وقد يتطور الأمر إلى ما يمكن تسميته “Humanitarian Access Zone” (منطقة وصول إنساني)، تُحدد جغرافياً بالتنسيق مع الجهات المحلية والإنسانية، وتُفرض حولها ترتيبات تمنع العمليات العسكرية أو تحد منها خلال فترة وصول المساعدات.
وهو النموذج الأعقد في بلد تبلغ مساحته نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع وتتداخل فيه مناطق السيطرة، ويرجح أن يبدأ برقعة صغيرة في دارفور أو كردفان إذا اشتدت الأزمة.
وثمة أدوات ضغط لا تتطلب جندياً أجنبياً على الأرض، منها توسيع العقوبات، وتشديد قيود نقل السلاح، وملاحقة شبكات التمويل والدعم العسكري، واستخدام أدوات مجلس الأمن.
وواشنطن تسلك أحد هذه المسارات فعلاً عبر الدفع نحو حظر شامل للسلاح. وأثقل الخيارات قوة محدودة ومعلنة الهدف تحمي ممراً تعذر فتحه بالوسائل السياسية، بتفويض قانوني واضح.
هدفها المعلن حماية المدنيين وضمان وصول الغذاء والدواء، وهو مختلف عن حرب لإسقاط طرف وتمكين آخر. ومخاطرها كبيرة، لأن أي استخدام للقوة في بيئة الحرب السودانية قد يتوسع سريعاً من إجراء محدود إلى مواجهة مفتوحة.
نجاح الممرات الإنسانية
من الناحية العسكرية، ينجح الممر المحمي حين تتوافر له أربعة عناصر، أولها السيطرة على الأجواء لأن المسيّرات سلاح هذه الحرب، وثانيها محور بري محدد الطول تُحرس مفارقه وجسوره، وثالثها قاعدة لوجستية خلفية قريبة للإمداد والإخلاء الطبي، وأخيراً قواعد اشتباك معلنة تحدد متى تُستخدم القوة ولأي غرض.
وحجم القوة المطلوب يتحدد بطول المحور وعدد نقاط الاختناق فيه، أما المساحة الكلية للبلاد فلا تدخل في الحساب.
ولذلك يبدو السيناريو الواقعي ممراً واحداً أو منطقة صغيرة. ويفقد الممر معناه إذا استخدمته الأطراف لإعادة الانتشار أو نقل السلاح أو تحقيق مكاسب ميدانية، ما يجعل المراقبة جزءاً من التصميم العسكري منذ اليوم الأول.
ولهذا النمط سوابق. ففي شمال العراق عام 1991 احتشد نحو 400 ألف كردي على سفوح جبلية باردة قرب الحدود التركية، وكان أكثر من ألف منهم يموتون كل يوم، فأنشأ التحالف منطقة آمنة بغطاء جوي ووجود بري، وعاد معظم اللاجئين إلى ديارهم، ولم يبقَ في المخيمات سوى نحو 41 ألفاً. وفي سراييفو نفذت طائرات 21 دولة 12,886 رحلة وأوصلت نحو 160 ألف طن من الغذاء والدواء رغم 260 حادثة إطلاق نار على الطائرات.
وفي الصومال أجاز مجلس الأمن استخدام كل التدابير اللازمة لإيصال المساعدات، ونُشرت قوة تجاوزت 30 ألف جندي، وانتهت المجاعة في مطلع 1993، وإن وصلت القوات حين كانت المجاعة قد شارفت على نهايتها.
وفي سوريا أجاز القرار 2165 عام 2014 إيصال المساعدات عبر أربعة معابر دون موافقة النظام، ثم تقلصت المعابر تحت ضغط روسيا والصين إلى معبر واحد.
إن القاسم المشترك في التجارب الناجحة هدف محدد وغطاء قانوني وسيطرة جوية وتسليم منظم للمهمة، وحين غاب أحدها تآكلت النتائج، والغطاء القانوني هو عقدة الملف السوداني.
التجربة السورية تُظهر أن قرارات مجلس الأمن قد يعطلها الفيتو، وموسكو وبكين تعارضان أصلاً توسيع حظر السلاح. والبدائل المتاحة طلب من سلطة مدنية انتقالية تحظى بشرعية وطنية، أو تحالف إقليمي ودولي بتفويض محدد.
مما لا شك فيه أن الوقت يعمل ضد المدنيين. القتال مستمر، والمسيّرات تضرب مناطق سكنية ومنشآت حيوية، ومسؤولو الأمم المتحدة يحذرون من أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر لاستمرار الحرب وتعثر الاستجابة الدولية.
وإذا استمر رفض الهدنة وعرقلة الوصول، ستنتقل القضية من محاولة إقناع الأطراف بفتح الممرات إلى البحث عن وسيلة تضمن وصول الغذاء والدواء حين يرفض أحد الأطراف ذلك.
وهذا هو المنعطف الأخطر في الأزمة، فالمجتمع الدولي يستطيع أن يواصل إصدار البيانات وطرح المبادرات وفرض العقوبات، لكن حين تصبح حياة ملايين المدنيين رهينة اتفاق الأطراف المتحاربة على أبسط ترتيبات الإغاثة، يتحول الفشل الدبلوماسي إلى أزمة حماية مباشرة للإنسان نفسه.
لقد وصل السودان إلى هذه النقطة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ومبادرات سياسية متكررة لم تتحول إلى واقع، وتدخلات خارجية غذّت قدرة الأطراف على مواصلة القتال.
وإذا بقيت أبواب المساعدات رهينة القرار العسكري، ستجد القوى الدولية نفسها أمام خيارين، ابتكار وسيلة فعالة لضمان الوصول، أو ترك المدنيين وحدهم يدفعون الثمن.

زر الذهاب إلى الأعلى