
في زمن الأزمات الكبرى، تصبح الرمزية في تحركات القادة أكثر حساسية من أي وقت مضى. ولهذا، جاءت زيارة رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، إلى أحد مقاهي وسط القاهرة، خارج إطار زيارته الرسمية، لتطرح سؤالاً مشروعًا: هل نحن أمام تعبير عن التواضع السياسي، أم انزلاق نحو الشخصنة في العمل العام؟
زيارة أثارت جدلاً واسعًا داخل الأوساط السودانية، واعتبرها كثيرون خروجًا عن المألوف في زيارات المسؤولين الرسميين، لا سيما في ظل تدهور الأوضاع المعيشية لملايين السودانيين داخل الوطن وخارجه. ففي حين يُنتظر من القادة تقديم تطمينات عملية للمواطنين وتفعيل البرامج الحكومية على الأرض، تأتي لقطات من “مقهى وطاولة شيشة” لتثير تساؤلاً عن جدوى مثل هذه الخطوات في سياقها الزمني والسياسي
بين البروتوكول والشخصنة
الزيارة التي لم تكن مدرجة ضمن البرنامج الرسمي للزيارة، أثارت تساؤلات حول مدى التزام الوفد السوداني بالبروتوكولات المعمول بها في مثل هذه الزيارات الرسمية. إذ يرى البعض أن وجود رئيس الوزراء في مكان عام كالمقهى، رغم أنه ليس مخالفاً للعرف السياسي العالمي، إلا أنه لا يخدم الهدف الأساسي من الزيارة الرسمية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وحاجة الجاليات السودانية بالخارج إلى تواصل فعّال وهادف مع المسؤولين.
وكان من الأولى، بحسب مراقبين، أن يلتقي رئيس الوزراء بأبناء الجالية في مقر السفارة السودانية بالقاهرة، ضمن إطار منظم ومعد له مسبقاً، لمناقشة التحديات التي تواجه السودانيين في مصر، وتقديم إحاطة واضحة حول جهود الحكومة لتسهيل عودتهم أو تحسين أوضاعهم المؤقتة.
دون شك تواضع في غير مكانه على غرار أمثلة من تواضع مسؤولين كبار سابقين، مثل الرئيس الراحل جعفر نميري، الذي كان يذهب بنفسه لشراء الفول من محل شهير في ود نوباوي، أو الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي احتسى كوب ليمون في سوق الموردة، وكذلك رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، الذي كان يتجول بدراجته في شوارع لندن ويتبضع بنفسه.
غير أن الفارق ، أن تلك المظاهر كانت تحدث داخل الوطن أو خلال وقت فراغ خاص، وليست ضمن جدول زيارات رسمية حساسة يُفترض أن تستثمر كل دقيقة فيها لخدمة القضايا الجوهرية، وليس للترويج الشخصي أو “البروباغندا”.
هناك تساؤلات عن غياب دور المراسم الرسمية في تنظيم تحركات المسؤولين، خاصة في ظل ما وُصف بأنه “اختلاط الحابل بالنابل” في إدارة الزيارة، وسط تلميحات إلى أن البروتوكولات الأساسية قد تم تجاهلها، إما بسبب ضعف التنسيق أو غياب الوعي بأهمية المنصب ومكانته الرمزية، لا الشخصية.
وفي وقت يواجه فيه المواطن السوداني أزمات معيشية حادة تتعلق بالغذاء، المياه، الكهرباء، والسكن، يتوجب ضرورة التركيز على تنفيذ البرامج الفعلية واللقاءات المنتجة، بدلاً من تسجيل لقطات فيديو لا تقدم حلولاً حقيقية ولا تشبع جوعاً.
ونؤكد أن اللقاء المباشر مع السودانيين لشرح السياسات الجارية وطمأنتهم كان سيترك أثراً أكبر، ويعكس روح المسؤولية والانخراط الجاد، أكثر من ظهور إعلامي في مقهى قد يُفهم على أنه تسويق شخصي لا يحمل مضموناً فعلياً في هذه المرحلة الدقيقة



