المنوعات

المعلّم سلامة… رائد ثورة تصنيع معدات الذهب في السودان

إبراهيم فتح الرحمن سمباي
نحن أمةٌ كثيراً ما نُبدع، لكننا لا نحسن دائماً أن نُسوّق لإبداعنا، ولا أن نوثّق سير الموهوبين من أبنائنا، ولا أن نرعى المواهب التي يمكن أن تصنع فرقاً في حياة الناس وفي نهضة الأوطان.
والزائر اليوم إلى المنطقة الصناعية في عطبرة، لا تخطئ عينه التطور الملحوظ في صناعة معدات تعدين الذهب محلياً ، من الطواحين والغرابيل إلى مختلف المعدات التي أصبحت تُصنع بأيدٍ سودانية. لكن وراء هذا المشهد المتطور اليوم حكايات رجال سبقوا زمانهم، ووضعوا اللبنات الأولى لهذا الطريق.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم المعلّم سلامة.
اسمه الحقيقي عبدالعليم عبدالحميد عبدالعليم، غير أن الناس عرفوه باسمٍ آخر طغى على اسمه الحقيقي، حتى كاد لا يُذكر إلا به: المعلّم سلامة.
بدأت الحكاية من حلفا، ومن طفل كان يعشق البحر والماء منذ صغره، وكأن النيل كان جزءاً من تكوينه الأول. وفي إحدى المرات كاد أن يغرق، غير أن العناية الإلهية أدركته، فنجا وخرج إلى البر سالماً. وحين استقبله الناس أخذوا يهتفون: سلامة… سلامة فالتصق به اللقب، وأصبح اسماً اشتهر به بين الناس.
كان سلامة موهوباً منذ طفولته، مهندساً بالفطرة، مولعاً بصناعة الأشياء بيديه وفهم طريقة عملها. وفي حلفا كان يصنع المراكب الصغيرة من علب الطحنية الفارغة، ثم يعرضها للبيع، فتجد إقبالاً ورواجاً بين الأطفال.
وحين غمرت مياه النيل مدينة حلفا القديمة عام 1964م، انتقل سلامة إلى عطبرة ،تلك المدينة التي ستصبح المسرح الأوسع لموهبته، وميداناً رحباً لأفكاره وصناعته.
التحق بالعمل في ورشة المعلّم الكبير أحمد حمودة عجمي، إحدى أكبر الورش في المنطقة الصناعية بعطبرة، تلك المنطقة التي كانت امتداداً حياً لروح عطبرة الصناعية، بجوار ورش قاطرات السكة الحديد، والتي خرّجت أجيالاً من الفنيين والحرفيين والعمال المهرة في مختلف فروع التصنيع الهندسي.
هناك صقل سلامة موهبته، وتنقّل بين أقسام الورشة المختلفة، مكتسباً خبرة عملية واسعة، حتى أصبح قادراً على إنشاء ورشته الخاصة، وفتح صفحة جديدة من حياته مع الصناعة.
ولم ينس سلامة عشقه القديم للبحر؛ فعاد إلى صناعة المراكب، ثم اتجه إلى صناعة البنطونات، وكتب على واجهة ورشته عبارةً تختصر طموحه وروحه الساخرة الواثقة:
سلامة للبر والبحر… وقريباً الجو
كان الرجل يتمتع بثقة كبيرة في نفسه تجاه أي عمل يُطلب منه. يستقبلك بابتسامته المعهودة، ويقابلك بقفشة من قفشاته التي لا تفارقه، حتى في أصعب المواقف. وكانت روحه المرحة جزءاً أصيلاً من شخصيته، تماماً كما كانت يده الماهرة جزءاً من صناعته.
ومع بداية الألفية الجديدة، ومع اشتداد حمى البحث عن الذهب في السودان، دخل سلامة عالم التعدين من أوسع أبوابه.
كان من أوائل من ابتكروا وصنعوا طواحين الهواء لطحن خام الذهب باستخدام خامات ومواد محلية، وسرعان ما انتشرت طواحينه في مناطق التعدين، ووصلت إلى مناطق إنتاج الذهب في غرب السودان، بل تجاوزت الحدود إلى بعض دول غرب أفريقيا.
ثم انتقل إلى تصنيع غرابيل الذهب، فنجح فيها أيضاً، وأصبح اسمه مرتبطاً بمعدات التعدين التي احتاجتها مناطق الذهب المتنامية.
ولم تكن هذه القفزة وليدة المصادفة ،فقد سبقها عمل طويل في تصنيع طواحين علف الدواجن وطواحين مواد البناء مع صديقه إبراهيم بيرم ففتح ذلك الطريق أمامه نحو تصنيع طواحين الذهب.
وهكذا كان سلامة واحداً من الرواد الذين أسهموا، بخيالهم العملي وجهدهم وخبرتهم، في وضع اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم في مجال تصنيع معدات التعدين في عطبرة، من الطواحين الهوائية والمائية، إلى الغرابيل، والطواحين التي تعمل بنظام الكرات المعدنية، وغيرها من المعدات التي أصبحت تُصنع محلياً في المنطقة الصناعية.
ومن أجمل الحكايات التي تكشف عبقرية سلامة العملية، تلك التي وقعت في مصنع أسمنت عطبرة بعد أن آلت ملكيته إلى الشيخ سليمان الراجحي.
واجه المصنع في ذلك الوقت مشكلات عديدة في نقل الحجر من الضفة الغربية للنيل إلى الضفة الشرقية، حيث يقع المصنع. وكان مدير المصنع، المهندس إسحاق كردية يكن، يقدّر لسلامة خبرته وكفاءته العالية، خاصة في صيانة وتعديل البنطونات المستخدمة في نقل الحجر.
وفي إحدى المرات توقف بنطون المصنع الناقل للحجر، بعدما زاد الجزء الغاطس منه بسبب الحمولة، بينما كانت مياه النيل ضحلة.
كان الحل الذي قدمه المعلّم سلامة بسيطاً في فكرته، لكنه كبير في أثره؛ إذ زاد من الجسم الطافي للبنطون بإضافة جناحين إضافيين إليه، في عملية هندسية تتطلب في العادة حسابات دقيقة للحفاظ على توازن البنطون ومنع غرقه.
لكن سلامة لم يكن يملك أوراقاً هندسية أو أجهزة حسابية متقدمة، كان يملك شيئاً آخر: خبرة طويلة، وعيناً ترى، وعقلاً يفهم، ويداً تعرف كيف تنفّذ.
أُجري التعديل بنجاح منقطع النظير، وتمكن البنطون من مضاعفة كمية الحجر المنقول.
وفي حادثة أخرى، توقف ناقل الحجر الهوائي بسبب سقوط السلك الذي يحمل الجرادل في مياه النيل.
لم يكن السلك أمراً بسيطاً؛ فقد كان ضخماً ويزن عشرات الأطنان، وسقط منه نحو 200 متر في قاع النهر، ثم تراكمت عليه كميات كبيرة من الطمي، حتى أصبحت مهمة إخراجه من النهر عصية على كرينات وآليات المصنع.
عندها صاح المدير كردية:
هاتوا لي سلامة
وصل المعلّم سلامة، تسبقه ابتسامته المعتادة؛ تلك الابتسامة التي كانت تقول قبل أن يتكلم: دعوني أرى المشكلة أولاً.
تأمل الموقف، ثم ابتكر حلاً بسيطاً في فكرته، عظيماً في نتيجته.
أحضر رافعتين يدويتين (بلنكو) ، حمولة كل منهما خمسة أطنان، وثبتهما بمساعدة عماله على مقدمة الجزء الغاطس من السلك، من الناحية الغربية.
وبدأت العملية.
كان يرفع مقدمة السلك تدريجياً وهو يتجه شرقاً علي سطح البنطون ، وبذلك يجري توزيع قوى العزم على أجزاء صغيرة من طوله، بدلاً من محاولة انتزاع السلك كله دفعة واحدة.
وشيئاً فشيئاً، بدأ السلك الثقيل يرتفع من مكانه، حتى لم تنقض ساعات اليوم إلا وقد نجح سلامة في تحرير السلك بالكامل من مغاطسه في المياه والطين.
كان الحل في غاية البساطة، لكنه كان يحتاج إلى عقل يرى ما وراء المشكلة، ويعرف كيف يحوّل أبسط الأشياء إلى أدوات للحل.
لم يدرس سلامة الهندسة في جامعة، ولم يجلس يوماً في قاعة محاضرات ليتعلم الميكانيكا وحسابات العزوم ومراكز الثقل وقوانين الحركة.
لكنه تعلّمها من الحياة، ومن الورشة، ومن الحديد، ومن الخشب، ومن النيل.
كانت الورشة جامعته، وكانت التجربة أستاذه، وكانت الأخطاء دروسه، وكانت يداه مختبره.
وربما لو أُتيحت له فرصة دراسة الهندسة، لكان حلمه القديم قد اكتمل فعلاً، ولأصبح ما كتبه على واجهة ورشته حقيقة كاملة:
سلامة للبر… والبحر… والجو..
وفي سنواته الأخيرة، ألمّت بالمعلّم سلامة وعكة صحية أقعدته عن العمل في ورشته، وأبعدته عن الحديد والمعدن وصخب الآلات التي رافقته سنوات طويلة.
لكن الموهبة التي زرعها لم تتوقف؛ فقد واصل أبناؤه إدارة العمل، يحملون ما ورثوه عن أبيهم من خبرة ومهارة، ويواصلون الطريق الذي شقّه بيديه وعقله.
وهكذا تبقى سيرة المعلّم سلامة واحدة من تلك الحكايات الجميلة التي تؤكد أن الصناعة ليست آلات ومعدات فحسب؛ وإنما هي فكرة، وموهبة، وشغف، وإرادة.
إنها حكاية رجل لم يحمل شهادة في الهندسة، لكنه حمل في عقله حسّ المهندس، وفي يديه مهارة الصانع، وفي قلبه شغف المبدع.
تقبّل الله أولئك الموهوبين الذين صنعوا بأيديهم، وأعملوا عقولهم، ووثقوا بقدرتهم، أشياء بقيت شاهدة على أثرهم في الحياة.
لقد أثبتوا لنا أن العبقرية لا تسكن دائماً في الشهادات والجامعات؛ فقد تسكن في يد صانع، وعقل معلّم، وقلب رجل أحب ما يعمل.
وسلامة واحد من أولئك الرجال الذين لم يتركوا وراءهم مصنوعات وآلات.. تركوا أبناءً يحملون الحرفة، وذكريات تحمل اسمه، وسيرةً تستحق أن تُروى وتُوثّق.

ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه لهذا الرجل، بعد سنوات العطاء والابتكار وخدمة الصناعة، أن نكرّمه بما يليق بما قدمه، وأن نضع اسمه في المكان الذي يستحقه بين رواد الصناعة والحرفيين الذين صنعوا بأيديهم جزءاً من تاريخ عطبرة الصناعي.
فتكريم المعلّم سلامة ليس تكريماً لشخص واحد ، هو تكريم لجيل كامل من الصناع والفنيين والحرفيين الذين آمنوا بأن اليد الماهرة والعقل المبدع قادران، بإذن الله، على صناعة المستحيل.

فهل آن الأوان لأن نقول للمعلّم سلامة:
شكراً لك… لأنك صنعت بيديك، وأبدعت بعقلك، وعلّمت بخبرتك، وضحكت في وجه الصعاب، وتركت وراءك اسماً يستحق أن يُكرَّم، وسيرةً تستحق أن تُحفظ، وذكريات تستحق أن تبقى في ذاكرة الأيام ..
سلامة للبر والبحر والجو ..
ربما كان الجو الذي لم يبلغه المعلّم سلامة بآلته، قد بلغه اليوم بسيرته؛ فقد حلّق اسمه عالياً في ذاكرة كل من عرفه، وكل من تعلّم منه، وكل من رأى أثراً من آثار يديه.
رحم الله من رحل من صناع عطبرة، وحفظ المعلّم سلامة، وبارك في أبنائه، وجعل ما قدّمه لهذا الوطن في ميزان حسناته.
———————
14 ربيع الأول 1448ه
2026/8/27 م .

زر الذهاب إلى الأعلى