
أسامة كنينة
جرائم تاريخية وراء الأرقام الصفرية :
في النقاشات السائدة حول الأزمة السودانية، دأبت المنظومات المهيمنة على اختزال المأساة الإنسانية في حدود أقاليم جغرافية صامتة، أو إحصاءات وأرقام جافة تُعرض في نشرات الأخبار. لكن الحقيقة العارية خلف هذه الشاشات تكشف عن شعوب ومجتمعات كاملة بالملايين تكتوي يومياً بنيران ظلم بنيوي ممتد. إن إنكار التفرقة العنصرية في السودان لا يمثل مجرد غياب للوعي أو تهرب سياسي، بل هو أعلى درجات العنصرية وأخطر آلياتها؛ لأنه يعمل على تطبيع القهر، وحجب العدالة، وتراكم غبن مجتمعي عميق وقابل للانفجار في أي لحظة.
١. ثوب القداسة والمفارقة الأخلاقية للعنصري
تكمن الخطورة الكبرى للمنظومة التمييزية في السودان في قدرة “العنصري” على ارتداء ثياب الملائكة وإلباس آليات الاضطهاد ثوب القداسة الدينية والوطنية . تاريخياً، عملت حركات وطوائف دينية تحولت لاحقاً إلى أحزاب سياسية على إرساء قواعد الدولة الحديثة بناءً على تراتبية الولاء الروحي و”الشرف المدعى” فانتجت لنا دولة الاسلام السياسي التي لا تؤمن بدولة المواطنة ولا السيادة الوطنية .هذا التوظيف الممنهج للمقدس منح النخب المركزية “حقاً إلهياً” افتراضياً لإدارة الدولة واحتكار هويتها . وقد وصلت هذه المتتالية الراديكالية ذروتها مع تنظيم الإخوان المسلمين ومقاربته لـ “المشروع الحضاري”، حيث لم يعد التمييز مجرد إقصاء سياسي بل تحول إلى فتاوى دينية تشرع الجهاد والإبادة الجماعية ضد المكونات الأصيلة، مبررةً أبشع الانتهاكات وسفك الدماء تحت شعارات الفضيلة ووحدة الصف.
2. من التبعية الروحية إلى منظومة الحكم: معادلة الأسياد والرعايا
أُعيد إنتاج عقلية الاسترقاق والتبعية الروحية وتثبيتها بشكل صارم داخل هياكل الدولة الحديثة عبر معادلة متوارثة تدرجت السيد والعبد ،السيد والرعية ،الإمام أنصاره،المرشد واتباعه،الامير وجماعته،..
تجسدت هذه المتتالية سياسياً منذ فترة الاحتلال وتعمقت مع فجر الاستقلال مع تأسيس أول حكومة سياسية سودانية خالصة (حكومة السيدين)، وصولاً إلى تشكيلات “مجلس السيادة” المتعاقبة .
تحول هذا المجلس في جوهره إلى الحصن الفوقي الذي يمارس “السيادة” على شعوب يُنظر إليها كـ “رعايا” أو “أرقام صفرية” لا قيمة لها، بدلاً من إرساء دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع أمام القانون
3. السودان كنموذج صارخ لدولة الاستعمار الداخلي
بناءً على هذه الهندسة المجتمعية، لا تبدو الدولة السودانية كشكل عابر من أشكال التمييز، بل هي نموذج بنيوي مكتمل الأركان وصارخ لدولة الاستعمار الداخلي .
تتلخص مسارات هذه المنظومة في عنصرين جوهريين :
1. احتكار السلطة وتدويرها وسط نخب وقوي ارثية تأخذ أشكالا متعددة وتبقي الهوية واحدة
2. احتكار : الهيمنة المطلقة على واحدة من أغنى دول العالم بالموارد والثروات الطبيعية (أراضٍ، مياه، ذهب، ونفط)، وتجريد المجتمعات الأصيلة في الأطراف من أراضيها وتحويل ثرواتها لرفاهية المركز وشبكاته .
آلية التنفيذ : استخدام ترسانة الدولة العسكرية والسياسية لمنع أي مكون أو شخص من خارج النخبة المحظوظة من الاقتراب من كرسي السلطة (مجلس السيادة)، ومواجهة أي مطالبة بالحقوق بوحشية مطلقة تصل إلى حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية .
٤. المنظومة الهرمية القاسية والخذلان المزدوج
لم تقتصر هذه الهندسة على فرز (مركز ضد أطراف)، بل تحولت إلى نظام طبقي معقد يمتد حتى داخل المكونات التي تُحسب على المركز أو العروبة نفسها، حيث تتدرج العبودية والعنصرية بناءً على نقاء النسب والولاء لبيت “السيد” . يتم استغلال المجموعات البسيطة في الأقاليم كوقود لحروب المركز لحماية كراسي الأسياد مقابل وعود وهمية بالمكانة، بينما تصل المأساة إلى قمتها في الأحراش والأطراف حيث يُنزع عن الإنسان أبسط حقوقه الإنسانية، وعلى رأسها الحق في الحياة .
وفي هذا السياق، تواجه المجتمعات الملايينية الصامتة خذلاناً مزدوجاً؛ ففي الوقت الذي تضم فيه معسكرات التهجير والنزوح القسري في دارفور وبقية الأطراف أكثر من 13 مليون إنسان يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، يجلس قادة الحركات المسلحة والأجسام السياسية (التي ادعت يوماً تمثيل المظلومين) في قصور العاصمة، بعد أن جرى شراء إرادتهم وتسييل دماء ومعاناة مجتمعاتهم في سوق المحاصصات السياسية والمكاسب الشخصية
٥. انسداد المراجعة والانفجار في قلب المركز
إن طوق الحماية الذي فرضته النخب المتوارثة—وليس المتعاقبة فحسب—وسدها التام لكل أبواب المراجعة النقدية والتاريخية لشكل الدولة وممارساتها، قاد البلاد حتماً إلى الانفجار الكبير الحالي. لم يعد الحريق محصوراً في الهوامش؛ بل تمدد ليزلزل قلب المركز وعاصمته، حيث تحولت شوارعه ومؤسساته إلى حطام لـ “معركة كسر عظم” نخبوية يتخللها خطاب حاد لتبادل الاتهامات بالشيطنة والعمالة.
ومع غياب العقد الاجتماعي، تحول الغبن التاريخي المتراكم إلى ذروة الوحشية عبر تصفيات عرقية متبادلة؛ بدأت على المستوى الفردي بالاستهداف المباشر والاغتيال بغرض الانتقام على أساس الهوية والسحنة، وانتهت بجرائم تصفية جماعية وتطهير عرقي ممنهج ضد مجتمعات كاملة عزّلتها الحرب. هذا التحول المرعب يعكس النتيجة الحتمية لمنظومة آثرت إبادة شعبها وتدمير مركزها على أن تتنازل عن امتيازاتها الدنيوية والسلطوية الضيقة.
شجاعة الاعتراف كعتبة أولى للتحرر الجماعي :
إن تفكيك هذه المنظومة الطفيلية المستعدة لإحراق البلاد بالكامل لا يمكن أن يبدأ من إنكار المرض أو الالتفاف حوله بشعارات “الوحدة الصورية” الجوفاء .
إن الحل يبدأ حتماً من الاعتراف الصريح والكامل بوجود التفرقة العنصرية والهيكلية، لا بالاستمرار في إنكارها أو التستر عليها. إن مواجهة هذا الإرث البغيض بشجاعة وإعادة تسمية المظالم بمسمياتها الحقيقية هي الخطوة الأولى لكسر أغلال عقلية “الأسياد والرعايا”. بدون هذا الاعتراف، ستبقى كل اتفاقيات السلام والوساطات الفوقية مجرد مسكنات مؤقتة تُبقي نيران الغبن متقدة تحت الرماد. التحرر الحقيقي يبدأ عندما يمتلك المجتمع الجرأة على النظر في مرآة تاريخه وحاضره، ليعلن بوضوح أن كرامة وحياة الإنسان المستضعف—سواء في أقصى الأحراش أو في أحياء المركز (امدرمان القديمة) ، هي أساس المواطنة، وأن الإنكار لم يعد خياراً مقبولاً لحماية الامتيازات الزائفة فقد بلغ السيل الزبي وتغير الزمان وتبدلت مراكز القوي .



