
لعل البنية اللغوية في العنوان أعلاه، وما فيها من تشابه مع مسمى الدعم السريع، هي أمر مقصود؛ إذ إنني أريد من خلالها الإشارة إلى أن البلاد أصبحت واقعة بين شَفْرَي هذه الهوة العميقة، التي قد تقود إلى انفجار ربما يكون مؤجلاً، لكنه لن يظل بعيداً إلى الأبد؛ فإن لم يكن غداً، فبعد غد ليس ببعيد!
وساعتها، قد يدفع الجوع المريع بالعقول، ومع عَضّة الجوع التي تُفرغ البطون، إلى نسيان أن مأساة البلاد الأساسية هي كيفية الخلاص مما تبقى من دولة أنهكتها الحرب، وأن ينصرف الناس إلى البحث عن مجرد لقمة العيش.
وعندها قد تنشغل السلطة المركزية بمحاولات حماية نفسها من السقوط، ولو اضطرتها الظروف إلى البحث عن تسويات مع الدعم السريع نفسه، كمن يلجأ إلى العلاج بالكي بعد أن استعصى عليه الدواء.
وفي المقابل، ستزداد حملاتها ضد الناشطين الذين بدأوا بالفعل في الحديث عن أن هناك بُغلة جديدة تدخل إلى إبريق حرب الكرامة، لتنافس الحرب نفسها في حجم اهتمام الحكومة، بينما تظل السلطة وكأنها تجسد ذلك المثل الذي يُضرب في وصف من كان آخر من يعلم؛ غفلةً أو تعامياً عما يجري من حوله، ودون أن يحرك ساكناً لتغيير هذا الواقع.
ووزير المالية يقول إنه يعتمد في تغذية موارد الدولة على أخذ المال من جيب المواطن الأيمن ووضعه في جيبه الأيسر!
وهو أشبه بحكاية الطبيبة الشعبية التي يقال لها البصيرة أم حمد، حين جيء بها لإخراج رأس ثور أدخله صاحبه في جرة فخارية تُسمى «الزير». فقالت لهم: اقطعوا رأس الثور. ففعلوا، وبعد أن سقط الرأس داخل الجرة، قالت لهم: الحل الأخير أن تكسروا الزير لإخراج الرأس!
وقد أعجبني تعليق الأخ الناشط السياسي الأستاذ قرشي عوض، حين وصف سياسة الحكومة الاقتصادية في محاولتها الخروج من أزمة اقتصاد الحرب بأنها تشبه حكاية المعزة التي ترضع ثديها بنفسها.
وحذر، في حديثه، من أن الذي يحتمل الجوع مدة أسبوع كامل بلا طعام، فلن يكون أمامه من الحلول إلا استخدام غريزته، وهي غريزة قد تجعل الحياة بين الناس أقرب إلى صراع الغابة: من يستطيع الصيد يأكل، ومن يكون ضعيفاً يُؤكل، سواء كان غنياً بماله أو فطناً بذكائه!
فاحذروا ثورة الجوع المريع يا أولي الأمر، وإلا فاذهبوا غير مأسوف عليكم؛ على الأقل من قبيل الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية قبل السياسية.
ودعوا الشعب يقرر، بكامل إرادته، من يكلفه بإدارة أمره، قبل أن يأتيكم طوفانه القادم، إن لم تُدرك البلاد أزمتها المعيشية والسياسية قبل أن تبلغ نقطة يصعب عندها احتواء آثارها.
والله من وراء القصد، وهو المستعان على كل مصيبة.



