
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
كان الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف، القادم من صفوف الحركة العمالية، رئيساً لمجلس وزراء الاتحاد السوفيتي في مرحلة ما بعد رحيل الرجل الحديدي جوزيف ستالين.
وقد عُرف خروتشوف بحدة طباعه وسخريته اللاذعة، وبأسلوب لم يكن يخلو من الفظاظة في بعض المواقف. ولعل أشهر ما ارتبط باسمه في الأمم المتحدة تلك الواقعة التي أخرج فيها حذاءه خلال جلسة للجمعية العامة عام 1960، ولوّح به ثم ضرب به مكتبه احتجاجاً على ما كان يدور في الجلسة.
وقد تحولت الواقعة، بما أحاط بها من روايات، إلى واحدة من أشهر الصور الرمزية للفوضى التي يمكن أن يبلغها الخطاب السياسي حين يتجاوز أعراف الحوار الدبلوماسي.
ثم جاء بعد ذلك الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الذي صعد إلى المنصة نفسها وألقى في عام 1960 خطاباً استمر أربع ساعات ونصف الساعة تقريباً، في واحدة من أطول الخطب التي شهدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفعلها القائد الليبي معمر القذافي في عام 2009، حين ألقى خطاباً طويلاً أمام الجمعية العامة، وقرأ من ميثاق الأمم المتحدة ثم مزق نسخة منه، في مشهد ظل حاضراً في ذاكرة تلك المنظمة.
ذهب خروتشوف، وذهبت سلطة كاسترو، وغاب القذافي، وتغيرت خرائط دول وأنظمة وإمبراطوريات، لكن منصة الأمم المتحدة بقيت على علاتها، وبقيت الجمعية العامة واحدة من المنابر التي يستطيع من يقف عليها أن يفتح، ولو للحظات، نافذة في مسامع العالم لطرح قضية بلاده وموقف شعبه.
ولذلك فإن العقلاء هم الذين يحسنون استثمار مثل هذه المنابر، فيختارون من الكلمات ما يوصل صوتهم، ويكسب التعاطف، ويفتح الأبواب بدلاً من أن يغلقها، ويترك أثراً في الرأي العام الدولي بدلاً من أن يبدد الفرصة بسفه القول وماسخ الخطاب.
ومن هنا نقول لمندوب السودان في تلك المنظمة:
إن منصة الأمم المتحدة ليست برنامج «ساحات الفداء» الذي كان صوتاً لشحن الشباب بروح الموت في غابات الجنوب، ذلك البرنامج الذي ارتبط بمرحلة كان فيها الموت يُقدَّم للشباب في ثوب البطولة، ثم انتهى الأمر بكثير ممن دفعوا بهم إلى تلك المحارق إلى أن يصبحوا مجرد ذكرى موجعة لحرب طال أمدها وانتهت بانفصال الجنوب.
فليس من المنطق، في عصر تتبادل فيه الدول المصالح وتتحرك فيه العلاقات الدولية بمنطق الندية والمصلحة المشتركة، أن نعيد حبس خطابنا في ذات العقلية القديمة، وألا نستثمر اللحظة التاريخية في كسب المزيد من الأصدقاء، وإحراج الخصوم بمنطق الحجة، وطلاوة اللسان، وهدوء الخطاب.
إن إزالة حواجز العداء ليست انكساراً، وإنما قد تكون لمعاناً في تهذيب لغة الخطاب، وإعلاءً لقيمة العقل، وقدرةً على الوصول إلى الآخرين دون أن نحول المنبر الدولي إلى ساحة لتبادل السباب والاتهامات.
فرفع الصوت ليس بالضرورة قوة، كما أن خفض نبرة الخطاب ليس ضعفاً.
وإذا كانت بلادنا قد دفعت ثمناً باهظاً من العزلة والصراعات وسوء إدارة العلاقات، فإن أقل ما يمكن أن نتعلمه من تجارب السنوات الماضية هو أن المنابر الدولية فرصٌ يجب أن تُستثمر، لا ساحاتٌ ينبغي أن تُهدر فيها الفرص.
والله من وراء القصد.



