تقارير

بين الرصاص وعطش الأرض.. طبول المجاعة تقرع في السودان على وقع حرب مستعرة وجفاف غير مسبوق.

تقارير | إنسانية
تدق شبكة الإنذار المبكر للمجاعة (FEWS NET) ناقوس الخطر مجدداً بشأن الوضع الإنساني المتدهور في السودان، مؤكدة أن مزيجاً قاتلاً من استمرار النزاع المسلح، وتدهور الاقتصاد، وموسم الأمطار الأسوأ تاريخياً، يدفع البلاد بخطى حثيثة نحو كارثة إنسانية ومجاعة واسعة النطاق خلال موسم الحصاد وموسم الشح (أغسطس 2026 – يناير 2027).
جحيم الطوارئ والمجاعة: خارطة الموت جوعاً
تشير التحديثات الميدانية إلى أن ” حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة) ” ستظل واسعة الانتشار خلال ذروة الشح في أجزاء واسعة من دارفور الكبرى، وكردفان الكبرى، والنيل الأزرق. الأسوأ من ذلك هو توقع وصول بعض التجمعات السكانية إلى ” مستويات كارثية (المرحلة الخامسة) “، وتحديداً في:
• شمال دارفور: مناطق أم برو، كيرنوي، والطينة، إضافة إلى مخاوف حقيقية في الفاشر ومليط وكتم وطويلة.
• جنوب كردفان: مدن الدلنج وكادقلي والمناطق الريفية المحيطة بها.
• شمال كردفان: مدينة الأبيض ومحيطها، إلى جانب معسكرات النازحين في إقليمي دارفور وكردفان.
وتؤكد الشبكة أن المساعدات الإنسانية -التي تصل بالكاد إلى أقل من ” 20 في المائة ” من إجمالي المحتاجين بانتظام- هي الحد الفاصل حالياً بين تفاقم الأوضاع ووقوع محظور المجاعة في بعض المناطق التي أتيحت فيها ممرات الإغاثة مؤخراً.
حرب بلا هوادة وعطش يبتلع الحقول
لا تقتصر الأزمة على المعارك الدائرة على الخطوط الأمامية، بل تمتد لتشمل ” حرب الطائرات بدون طيار (الدرونز) ” التي تستهدف البنية التحتية، وتدفقات التجارة، وحياة المدنيين في الخرطوم، أم درمان، عطبرة، الأبيض، وغيرها من المدن. وقد أدى هذا التصعيد إلى موجات نزوح جديدة طالت آلاف الأسر في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
وعلى الصعيد المناخي، سجل موسم الأمطار (من يونيو إلى أغسطس) ” عجزاً تاريخياً غير مسبوق ” يُعد الأسوأ في سجلات الرصد، متأثراً بظاهرة النينيو وارتفاع درجات الحرارة. وأدى هذا الجفاف وتأخر هطول الأمطار إلى:
شلل أو تأخير كبير في عمليات الزراعة ونمو المحاصيل.
ذبول المبكر للمزروعات في دارفور وشمال كردفان بسبب الإجهاد الرطوبي المستمر.
تراجع حاد في الغطاء النباتي والمراعي بنسبة تقل عن 60% من المعتاد في معظم مناطق الشمال والشرق وغرب السودان.
انهيار اقتصادي واسعار ملتهبة
تتزامن هذه الكوارث الميدانية والمناخية مع ” سقوط حاد للعملة الوطنية ” ؛ إذ هوى الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي بلغ نحو ” 6,400 جنيه لكل دولار أمريكي” في السوق الموازي أواخر أغسطس.
هذا الانهيار، إلى جانب تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل، أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن بنسب تراوحت بين ” 17% إلى 24% ” في شهر واحد فقط، لتسجل ارتفاعاً هائلاً يصل إلى ” 135% مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية” ، ما قضى تماماً على القدرة الشرائية للمواطنين.
أزمات صحية متداخلة وغياب سبل النجاة
تكتمل ملامح المأساة بانتشار الأوبئة؛ حيث تجتاح موجات متجددة من ” وباء الكوليرا وحمى الضنك” العاصمة الخرطوم ومدناً في غرب كردفان (مثل فُجّة التي سجلت مئات الإصابات والوفيات)، وذلك نتيجة انهيار منظومة الصرف الصحي وتلوث مياه الشرب.
وفي ظل تراجع الرعاية الصحية وتعمق الجوع، كشفت مسوح حديثة أن معدلات ” سوء التغذية الحاد العالمي (GAM) ” تجاوزت عتبة الطوارئ البالغة 15% في 12 مسحاً من أصل 26، مسجلة مستويات مفزعة في ولايات دارفور والقضارف وكسلا.
آفاق قاتمة وتوقعات حتى يناير 2027
تُظهر التوقعات المستقبلية حتى يناير المقبل صورة بالغة القتامة، مع استمرار المعارك وتوقع تراجع الإنتاج الزراعي إلى أدنى مستوياته، فضلاً عن ” فجوات تمويلية حادة ” تلوح في الأفق قد تُجبر الوكالات الأممية على تقليص المساعدات النقدية والعينية، مما ينذر بحرمان نحو ” 1.5 مليون شخص إضافي ” من شريان الحياة الوحيد بنهاية العام.
ويبقَى شبح المجاعة (المرحلة الخامسة) يلوح في الأفق كتهديد قائم وحقيقي في شمال دارفور وكردفان، ما لم تتحرك الاستجابة الدولية بشكل عاجل لكسر طوق الحصار وتأمين ممرات إنسانية آمنة قبل فوات الأوان.
——
المرجع: شبكة الإنذار المبكر للمجاعة (FEWS NET)، تحديث الأمن الغذائي في السودان،

زر الذهاب إلى الأعلى