الأعمدة

العلاقة بين الفريق عبد الفتاح البرهان والحركة الإسلامية – بما في ذلك شبكاتها العسكرية والأمنية – كتحالف اضطراري، لا كزواج استراتيجي

في المشهد السياسي السوداني الراهن، تتبدّى العلاقة بين الفريق عبد الفتاح البرهان والحركة الإسلامية – بما في ذلك شبكاتها العسكرية والأمنية – كتحالف اضطراري، لا كزواج استراتيجي دائم. واقعة اعتقال قائد كتيبة “البراء بن مالك” في مصر، وما أعقبها من ردّة فعل غاضبة داخل أوساط الإسلاميين، كشفت هشاشة هذا الارتباط، وأكدت أنّ التفاهم بين الطرفين يقوم على معادلة الضرورة لا الثقة.
البرهان، من جانبه، يسعى لتكريس صورة القائد الأسطوري الذي استطاع، وفق تعبيره الأخير، هزيمة “أكبر وأعنف تمرد” شهدته البلاد، في إشارة إلى قوات الدعم السريع. هذه الصورة لا تكتمل إلا بالاعتماد على ماكينة الإسلاميين العسكرية والسياسية والإعلامية، التي توفر له عمقًا تعبويًا وقاعدة من المقاتلين ذوي الخبرة في حروب المدن والأرياف.
في المقابل، يحتاج الإسلاميون – الذين أشعلوا الحرب بحسابات خاطئة ورهانات على معركة خاطفة – إلى البرهان كواجهة شرعية وعسكرية تمكنهم من القضاء على عدوّ اليوم، محمد حمدان دقلو، الذي كان بالأمس شريكًا في إطاحة حكومة قوى الحرية والتغيير عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021. هزيمة “حميدتي” تمثل، في العقل الاستراتيجي للإسلاميين، الخطوة الأولى نحو استعادة السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة.
إلا أنّ هذه المعادلة محكومة بعوامل تفجير مؤجلة؛ فالبرهان يدرك أنّ استمرار النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات الجيش والأمن قد يهدد سلطته الشخصية لاحقًا، فيما يتوجّس الإسلاميون من برهانٍ قد يتحوّل – متى ما استقرت له الكفة – إلى خصم يسعى لإقصائهم تحت ضغط إقليمي أو دولي، أو بفعل طموحه في بناء سلطة أكثر تحررًا من إرثهم الأيديولوجي.
غير أن توقيت “ساعة التصادم” بين البرهان والإسلاميين لن تحدده الحسابات الداخلية وحدها، بل سيتأثر بدرجة حاسمة بتوازنات الإقليم ومواقف العواصم المؤثرة. فالداعمين الإقليميين للجيش – وفي مقدمتهم مصر والسعودية – ينظرون بعيون متباينة إلى النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، ويوازنون بين الحاجة إلى كتلة قتالية متماسكة، والخشية من أن تتحول هذه الكتلة إلى مركز سلطة مستقل يربك ترتيبات ما بعد الحرب.
كما أنّ القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تضع البرهان تحت مجهر دقيق، وتدرك أن أي انفراد إسلامي بمخرجات الحرب سيعيد إنتاج البيئة التي انبثقت منها أزمات السودان السابقة. وهذا ما يدفع البرهان إلى إظهار نفسه كلاعب قادر على احتواء الإسلاميين لا الارتهان لهم، وهي صورة يحرص على ترسيخها في خطاباته وتحركاته الخارجية.
بالمقابل، يعرف الإسلاميون أن لحظة استغناء البرهان عنهم قد تأتي بضغط خارجي يتقاطع مع رغبة داخلية في التخلص من إرثهم، وهو ما يجعلهم يسابقون الزمن لفرض أمر واقع عسكري وسياسي قبل أن تتشكل تسوية إقليمية – دولية تضع حدودًا قاطعة لعودتهم الشاملة إلى السلطة.
في النهاية، فإن معركة ما بعد الدعم السريع قد لا تكون عسكرية بقدر ما ستكون سياسية بامتياز، تُخاض في أروقة الخرطوم والقاهرة وأنقرة وأبوظبي وواشنطن، حيث يلتقي صراع الداخل بضغوط الخارج لتحديد شكل السودان المقبل، ومَن سيقف في قمته.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى