عبد الكريم البليخ
الغربةُ التي كنّا نسمع عنها يوماً، تلك التي كانت تبدو حلماً وردياً يراود مخيّلة الشباب، تحوّلت إلى واقعٍ معاش، واقعٍ لا يفارق أيامنا، يرافقنا في الصحو والمنام، ويمضي بنا بعيداً، بعيداً جداً، إلى حيث الديار والأهل والأحبّة الذين تركناهم خلفنا مجبرين لا مختارين. لم تعد الغربة مجرّد فكرة تُحكى في المجالس، ولا حكاية تُروى على سبيل التهوين، بل أصبحت تجربة حيّة تنبض في تفاصيل يومية صغيرة، وتترك أثرها في القلب قبل أن تظهر على ملامح الوجوه أو ثقل الخطوات.
ولن نقول إننا عشناها بقسوة، لا أبداً… فالأيام التي قضيناها، وما تزال تُظلّلنا بأنسها وناسها، كانت من أجمل الأيام التي عرفها اللاجئون السوريون وغيرهم. كانت أفضل مما توقّعنا بكثير، وكأن أبواب السماء فُتحت فجأة في وجوهٍ أرهقها التعب، وقلوبٍ أثقلتها الخيبات. وجدنا في الغربة نظاماً يحترم الإنسان، وقوانين لا تُفرّق بين الناس، ومساحات أمان افتقدناها طويلاً.
إنّ أفضال البلاد الأوروبية التي آوت نزوحنا وتشردنا وهيامنا كثيرة، ولا يمكن أن ننساها أو نتناساها. فقد زرعت فينا بهجة الحياة من جديد، وأعادت إلى أرواحنا شيئاً من الطمأنينة التي كدنا نفقدها. قدّمت لنا، مجتمعةً، الكثير ممّا حلمنا به، بل أكثر ممّا تجرّأنا على تخيّله قبل أن تطأ أقدامنا أرضها. كانت الخدمات تفوق التصوّر، وكانت المعاملة قائمة على الاحترام والودّ، وعلى حسّ إنساني خالص، لا يُفرّق بين وافد ومقيم.
وكم تمنّينا لو أنّ شيئاً من هذا كله كان متاحاً لأهلنا في سورية، لهذا الشعب الطيّب البسيط الذي يُباد اليوم، وبدمٍ بارد، على يد عصابةٍ مجرمةٍ لا رادع يردعها، ولا ضمير يؤنبها، ولا وازع يحدّ شهيّتها المفتوحة للقتل. فالقتل، عندها، ليس فعلاً عارضاً، بل معيار حياة، ومنهجاً يجري في دمائها، وسلوكاً متأصلاً لا تخجل منه ولا تحاول إخفاءه.
ها هم أبناء المدن السورية، ببيوتهم وأحيائهم وأحلامهم، يُدكّون بآلة القتل والدمار، دون أن يثنيهم شيء عن التمسّك بأرضهم، رغم مرارة العيش وقسوته. هؤلاء الذين صمدوا حتى آخر رمق، هم أنفسهم الذين دُفعوا دفعاً إلى النزوح والغربة، مرغمين لا مختارين، تاركين خلفهم ذكرياتهم وطفولتهم وأعمارهم المعلّقة على جدران البيوت المهدّمة.
ذلك الإجرام، الذي أماط اللثام عن أسرةٍ حاقدة لا تعترف بإنسان ولا بحقّ، لا ترى في البشر إلا حصاداً، ولا تطمح إلا إلى الفوز بكل شيء، باستثناء شيء واحد: الإبقاء على الإنسان إنساناً. فذلك ما لا تطيقه ولا تقبل به، وهذه هوايتها منذ عقود، تتقنها وتُمعن فيها بلا وجل.
وفي البلاد التي احتضنت شبابنا الفارّين من هول ما حدث، قُدّمت لهم فرص الحياة من جديد، ولم يُقصّر معهم أحد. من نجح في عبور البحر، رغم خسته وجبروته، كان يعلم أنه يترك خلفه جزءاً من روحه، لكنه كان يدرك في الوقت ذاته أنه ينجو بحياته. البحر الذي اختزل حياة الكثيرين من أهلنا، كان بوابة خلاصٍ للبعض، وفاجعةً للبعض الآخر، شاهداً صامتاً على مآسٍ لا تُنسى.
وما يثير الاستغراب اليوم أنّ كثيراً من المهاجرين، خصوصاً من لجأ إلى البلاد الأوروبية، لا حديث لهم إلا عن العودة إلى الوطن، وعن توقٍ عارم لتجسيد تلك العودة، متناسين الواقع المرير الذي يعيشه أهلنا هناك، ومتجاهلين الحرب التي أكلت كل شيء ولم تُبقِ شيئاً.
ما مبرّر ذلك كلّه، ما داموا يعرفون تماماً حقيقة ما يحدث؟
إنها ـ في رأيي ـ ترّهات لا أكثر، محاولة لستر الضيق الذي تُسببه الغربة، أو لادعاء حنينٍ أكبر مما هو عليه. الغربة تُرهقهم، نعم، لكنها لا تُلغي فضل البلاد التي احتضنتهم، ولا تُنسيهم ما قدّمته لهم ولأسرهم من بحبوحة لم يحلموا بها يوماً.
الباب مفتوح لمن يرغب بالعودة إلى الوطن، لكن أيّ عودة ينشدها هؤلاء في ظل واقعٍ خدميّ متردٍّ، هشٍّ، ملول، تغيب عنه مقوّمات الحياة، وتضيق فيه سبل العيش، وتتراكم فيه أوجاع يصعب حتى عدّها، فضلاً عن احتمالها؟
الغربة موجعة، لكنها ليست الجريمة… الجريمة هناك، حيث يُقتل الإنسان لأنه أراد أن يعيش.



