“هل ننتظر معجزة من الفشل المتكرر؟ الاتحاد السوداني لكرة القدم يُهمّش مدربه الأجنبي ويُعيد إنتاج الإخفاق”


كتب: معاوية أبوالريش
في خطوة تثير التساؤلات أكثر مما تقدم إجابات، أقدم الاتحاد السوداني لكرة القدم على تشكيل لجنة فنية من مدربين محليين وقدامى لاعبين لمهمة اختيار لاعبي المنتخب الوطني من الدوري المحلي الجاري. وبينما قد تبدو الخطوة عادية للوهلة الأولى، فإن التدقيق في تفاصيلها يكشف عن تناقضات صارخة وتجاهل صريح للمعايير الاحترافية المعمول بها في كرة القدم الحديثة.
تجاوز صارخ للمدير الفني
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا يتم تجاوز المدير الفني للمنتخب، الغاني كواسي أبياه، الذي مُدد عقده حتى عام 2027، ويتقاضى راتباً شهرياً قدره 48 ألف دولار أمريكي؟ في كل دول العالم التي تحترم المعايير الاحترافية، تقع مسؤولية اكتشاف المواهب واختيار اللاعبين على عاتق المدير الفني وطاقمه المعاون حصراً. هذا ليس مجرد حق إداري، بل هو من صميم عمله ومسؤوليته المباشرة التي يُحاسب عليها.
إن تعيين لجنة موازية لأداء مهمة تدخل في صلب اختصاصات المدير الفني يطرح تساؤلات جوهرية عن منطق القرار وحكمته: هل فقد الاتحاد الثقة في أبياه؟ إن كان الأمر كذلك، فلماذا تم تمديد عقده أصلاً؟ وإن لم يكن كذلك، فلماذا يتم تقويض سلطته الفنية وإهدار جزء كبير من قيمة المبلغ الضخم الذي يُدفع له شهرياً مقابل أداء هذه المهام تحديداً؟
شكوك مشروعة حول الأهلية الفنية
انتقادات حادة، وإن كانت مبررة، وجهها نقاد رياضيون بارزون أمثال الأستاذ علم الدين هاشم وغيره من المحللين المخضرمين تجاه هذه الخطوة. السؤال المحوري الذي طرحوه يستحق التأمل العميق: هل يمتلك قدامى اللاعبين، على الرغم من تجاربهم الميدانية السابقة، المؤهلات الفنية والأدوات التحليلية الحديثة والمعرفة التكتيكية المطلوبة لتقييم اللاعبين وفق معايير كرة القدم المعاصرة؟
التاريخ يجيب بوضوح لا يقبل التأويل: تجارب الاعتماد على المدربين الوطنيين في اختيارات سابقة أثبتت فشلها مراراً وتكراراً، دون أن تحقق أي اختراق حقيقي. فلماذا الإصرار على إعادة إنتاج نفس الأخطاء مع توقع نتائج مختلفة؟ هذا بالضبط ما يُوصف بالجنون، وفق التعريف الشهير المنسوب لأينشتاين.
الحل الواضح الذي يُصر الاتحاد على تجاهله
كان الحل الطبيعي والمنطقي، بل والوحيد المبرر مهنياً، يكمن في إلزام المدير الفني كواسي أبياه بالحضور إلى السودان ومتابعة الدوري المحلي بنفسه. هذه مسؤوليته المباشرة غير القابلة للتفويض، وهو الأجدر والأقدر على تقييم اللاعبين وتحديد من يستحق الانضمام إلى كتيبة المنتخب وفق رؤيته الفنية وخطته التكتيكية. أليس هذا بالضبط ما يفعله مدربو المنتخبات في كل مكان في العالم المتحضر كروياً؟ أليس هذا جوهر ما ندفع له أجراً شهرياً فلكياً من أجله؟
خمسون عاماً من الدوران في حلقة مفرغة
الأمر الأكثر إثارة للأسى والإحباط هو أننا في السودان ظللنا طوال الخمسين سنة الماضية نعتمد على اللاعبين المحليين حصراً، ولم نحصد سوى الإخفاقات المتتالية والخيبات المتراكمة. لم نستطع، على مدى سنوات طويلة وعقود متعاقبة، حتى مجرد التأهل لنهائيات كأس الأمم الأفريقية بشكل منتظم، بينما تتقدم منتخبات كانت في مستوانا أو دونه، وتحقق إنجازات نحلم بها.
الدرس الأفريقي الذي نرفض تعلّمه
حين ننظر بموضوعية إلى المنتخبات الأفريقية التي حققت البطولات الكبرى وتركت بصمات مشرّفة في المحافل القارية والدولية، نجد قاسماً مشتركاً واضحاً وضوح النهار: الاعتماد الأساسي على لاعبين محترفين في الدوريات الأوروبية الكبرى. السنغال التي توّجت بلقب كأس الأمم الأفريقية، ساحل العاج، الجزائر، الكاميرون، نيجيريا، جميعها بنت نجاحاتها الباهرة على أكتاف لاعبين صُقلت مواهبهم في أوروبا، واكتسبوا الخبرة الحقيقية والاحتراف الصارم والمنافسة الشرسة.
حتى المنتخبات الصاعدة والأقل تاريخاً كروياً، التي نجحت في الوصول إلى نهائيات كأس العالم وتحقيق إنجازات غير مسبوقة، مثل الرأس الأخضر، حققت هذا الاختراق الكبير بفضل الاستثمار الذكي في أبنائها المحترفين في الخارج والبحث عنهم في مختلف القارات. حتى منتخبات عربية مثل الأردن بدأت تسلك هذا الطريق وتحصد ثماره.
تجربة المغرب: شاهد حي لا يُدحض
المشاركة الأخيرة للمنتخب السوداني في بطولة كأس الأمم الأفريقية بالمغرب قدمت دليلاً قاطعاً وشاهداً حياً على صحة هذا التوجه وضرورته الملحة. اللاعبون السودانيون الناشطون في أستراليا وأوروبا، أمثال عامر عبد الله وشادي عز الدين وآخرين، أظهروا مستوى مغايراً تماماً ونوعية مختلفة من الأداء. لقد أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أن التكوين الصحيح في الأكاديميات الاحترافية، والاحتكاك المستمر بالمستويات العالية، والخبرة المكتسبة في البيئات التنافسية الحقيقية، تصنع فارقاً جوهرياً لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.
لدينا أعداد كبيرة ومتزايدة من الأبناء السودانيين الموهوبين المنتشرين في أوروبا وأستراليا وغيرها من القارات، ينشطون في دوريات محترمة ويخوضون تجارب تنافسية حقيقية على مستويات عالية. هؤلاء هم كنزنا الحقيقي الذي نتجاهله، وهم من يجب أن نستثمر فيهم بجدية ونبني عليهم مستقبل كرتنا بثقة. أما الاستمرار العنيد في الاعتماد الكلي على لاعبين محليين يفتقرون لأبسط أبجديات كرة القدم الحديثة، غير مكوّنين التكوين الصحيح في أكاديميات معتمدة، ولا يملكون الخبرة الدولية والاحتكاك الخارجي المطلوب، فهو تكرار واعٍ ومتعمد للفشل بكامل الإرادة.
هدر مالي غير مبرر
من الناحية المالية البحتة، تشكيل هذه اللجنة الفنية الإضافية سيُكلف خزينة الاتحاد السوداني لكرة القدم أموالاً ليست بالقليلة في وقت تشكو فيه الكرة السودانية من ضائقة مالية مزمنة ومعروفة للجميع. هذه الأموال ستُهدر بلا مبرر حقيقي في مهمة كان يجب، بل كان يتحتم، أن يقوم بها المدير الفني شخصياً، ذلك المدرب الذي ندفع له راتباً ضخماً وصل إلى 48 ألف دولار شهرياً، راتب يُفترض أنه يغطي كل مسؤولياته الفنية بلا استثناء، بما في ذلك اكتشاف المواهب واختيار اللاعبين ومتابعة الدوري المحلي وكل ما يتعلق بالجانب الفني للمنتخب.
خلاصة القول: إلى أين؟
الكرة السودانية تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم وحرج: إما الاستمرار في إعادة إنتاج الفشل بنفس الوصفة القديمة البالية والنتائج المعروفة سلفاً، أو امتلاك الشجاعة الحقيقية في كسر هذه الحلقة المفرغة واتخاذ قرار جريء بالانطلاق نحو الاحتراف الحقيقي والتفكير الاستراتيجي السليم.
الحل واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ولا يحتاج إلى عبقرية استثنائية لإدراكه: منح المدير الفني الصلاحيات الكاملة والمطلقة للقيام بعمله دون وصاية أو تدخلات، الاستثمار الجاد والمدروس في أبنائنا المحترفين المنتشرين في الخارج والبحث عنهم بجدية، والتخلي النهائي عن العقلية المحلية الضيقة والنظرة القاصرة التي لم تجلب لنا على مدى نصف قرن سوى الإخفاقات المتكررة والخيبات المتراكمة.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بجرأة على مسؤولي الاتحاد السوداني لكرة القدم، والذي ينتظر إجابة صادقة وواضحة: هل نريد فعلاً النجاح والإنجاز الحقيقي، أم أننا نكتفي بالظهور بمظهر من يعمل ويبذل الجهد؟ لأن العمل الحقيقي والجاد يتطلب قرارات شجاعة وحاسمة، ويستوجب كسراً نهائياً للعادات الفاشلة والممارسات البالية، لا مجرد إعادة تدويرها وتقديمها بأشكال جديدة وعناوين براقة تخفي المضمون ذاته الذي جرّبناه مراراً وفشل في كل مرة.
الكرة الآن في ملعب الاتحاد السوداني لكرة القدم، والجماهير السودانية تنتظر، وإن كان انتظاراً مشوباً بالشك واليأس بعد عقود من الوعود غير المحققة.



