

عبدالله مكي
في لحظات الحرب القاسية عندما صمتت أصوات المؤسسات وغابت خطط الإغاثة الدولية خلف التعقيدات اللوجستية والمخاطر برزت روح الشعب السوداني لتكتب ملحمة تاريخية عندما اعاد الرصاص صياغة الجغرافيا اليومية، حينها لم يجد السودانيون بداً من استدعاء موروثهم الضارب في القدم لمواجهة شبح المجاعة الذي طرق الأبواب فلم تكن التكية مجرد مطبخ لتقديم الوجبات، بل تحولت التكايا إلى أيقونات للصمود وملاذ جسد أسمى قيم النفير السوداني. وسط الركام وأصوات المدافع.
اشعلت النار تحت قدورٍ ضخمة لا تطبخ الطعام فحسب، بل تطبخ الأمل أيضاً لتثبت للعالم أن النسيج الاجتماعي السوداني لا يزال عصياً على الانكسار مهما بلغت شدة العواصف. لقد كان النفير دائماً هو المحرك الخفي للمجتمع السوداني، لكنه اثناء الحرب شهد تحولاً جذرياً انتقل به من مساعدة الجار في بناء بيت أو حصاد زرع إلى نظام إغاثة شعبي متكامل، حيث لعبت غرف الطوارئ ولجان المقاومة دور العمود الفقري لهذه المبادرات عبر تحويل الزوايا والمساجد والمدارس والميادين إلى ساحات عمل جماعي. هذه الفلسفة لم تقم على الإحسان بمفهومه التقليدي، بل على مبدأ التكافل المطلق حيث يساهم الجميع بما يملكون لضمان ألا يبيت أحدٌ جائعاً، في ملحمة إنسانية واجهت تحديات جسيمة بدأت من شح المواد الغذائية وغلاء أسعارها الجنوني، وصولاً إلى المخاطر الأمنية التي جعلت من جلب أبسط المستلزمات مغامرة قد تكلف حياة الكثيرين ومع ذلك، ابتكر السودانيون حلولاً مذهلة لتأمين استمرارية هذه المطابخ فصار المغتربون في الخارج هم شريان الحياة المالي الذي يغذي هذه التكايا، بينما أدار المتطوعون في الداخل سلاسل إمداد محلية تعتمد على الثقة المتبادلة في مشهد عبقري يدرس في إدارة الأزمات. ولم يتوقف أثر التكية عند سد الرمق فحسب، بل تجاوز ذلك لتكون برلماناً شعبياً وعيادة نفسية مفتوحة، يتبادل فيها الناس أخبار المفقودين ويواسون بعضهم على مرارة النزوح، مما أذاب الفوارق الطبقية والقبلية ووحد الوجدان السوداني خلف “صحن العدس” أو “بليلة لوبا” كرموز للمقاومة السلمية والصمود الأسطوري.إن هذه التجربة مثلت شهادة ميلاد جديدة للمجتمع المدني، واكدت أن القوة الحقيقية تكمن في تماسك المجتمع وقدرته على الإدارة الذاتية حين تغيب الدولة والمؤسسات. إنها دروس مستفادة في “اقتصاد الصمود” اثبتت أن مائدة الكرم السوداني ظلت ممدودة رغم شح الموارد، وأن يد الجماعة هي الرهان الرابح دائماً لإعادة بناء ما دمرته الحرب، موثقةً لحظة تاريخية غلب فيها صوت التكافل صوت المدافع
#السودان #التكايا_السودانية #النفير #تحديات_الصمود



