الأعمدة

من الذي ظلم السودان ؟

دكتور محمد عبد الله الريح
في كل العهود السابقة نجد أن الذي ظلم السودان هم بنوه الذين تمرغوا في خيراته ونعموا بما اقتطعه من قوت شعبه ليعلمهم ويبعثهم ليعودوا ويؤدوا له بعض دينه عليهم ولكن الذين تولوا أموره لم يحسنوا التدبير وأنا لا أريد أن أعدد الأخطاء التي وقع فيها سياسيونا وعادت وبالا علينا فهذا له مجال آخر ولكني أستعرض هنا موضوعين وقد كتبت عنهما كثيرا في حينه وكان المتسبب في ذلك قصر النظر وعدم الفطنة والتعالي وعدم قبول النصح .
عندما سنت الإدارة الأمريكية عقوباتها على السودان
أدلى السيد عبدالرحيم حمدي وزير المالية الأسبق ومهندس سياسة تحرير الاقتصاد بعدد من التصريحات عن حالة الاقتصاد السوداني ولكني أعتقد أن أخطر تصريح أدلى به السيد حمدي وظللنا نعاني منه إلى يومنا هذا كان عندما عقد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن مؤتمراً صحفياً أعلن فيه عقوبات على السودان نسبة لما تعتقده إدارته من تقصير من جانب حكومة السودان في معالجتها لمشكلة دارفور وأن ذلك التقصير لا يناسبه إلا ذلك الإجراء الذي أعلنه الرئيس الأمريكي… إلى هنا والأمر عادي جداً تحت ظل ما كانت تتعرض له الإدارة الأمريكية من لطمات فوق وتحت الحزام بسبب سياساتها المتخبطة في العراق وأفغانستان او أي مكان رأت أن تنازل فيه غرماءها وكانت الإدارة المركزية في حاجة لمثل ذلك المؤتمر الصحفي على الأقل لتطمئن شعبها إنها تفعل شيئاً.
ولكن ماذا كانت ردود أفعالنا على المستوى الرسمي وغيره؟
انبرى المتحدثون وعلى رأسهم السيد حمدي يقللون من تأثير تلك العقوبات بحجة أنه لن تكون لها آثار ذات بال لأنه لا يوجد بيننا وبين أمريكا أية علاقات تجارية أو اقتصادية تتأثر بتلك العقوبات. وقال حمدي إن الشركات التي تتعامل مع أمريكا هي شركات قطاع خاص تعد على نصف أصابع اليد الواحدة. والسيد حمدي يدري أو لا يدري إنه بتصريحه ذلك إنما كان يوحي للإدارة الأمريكية أن تلجأ لعقوبات أخرى أشد إيلاماً وتأثيراً.
في المدرسة الأولية ونحن تلاميذ في بداية مراحلنا الدراسية كنا أكثر حكمة من الذين يطلقون تلك التصريحات اليوم في مواجهة الإدارة الأمريكية. فعندما يأمر الناظر بجلدنا نقوم (بردف) الأردية وعندما يضربنا صول المدرسة نصرخ ونتأوه بأعلى أصواتنا ونتظاهر بأننا نتألم مما يبهج الصول ويجعل الناظر سعيداً أنه قد أوجعنا بما فيه الكفاية لتقويمنا وإننا بعد ذلك الألم لن نجرأ على ارتكاب فعل من شأنه أن يجر علينا مثل ذلك العقاب. و(علقة تفوت ولا حد يموت). بل إننا كنا على وعي بأن زملاءنا من أبناء الأسياد الذين يدرسون في مدارس خاصة كانوا يطعمون بعدد من أبناء العامة حتى إذا أخطأ إبن السيد اختار الناظر أحد أبناء العامة وجلده وهو يوجه حديثه لإبن السيد :
– إذا تغلط تاني.. حنجلدك زي دا.
فيتأوه إبن السيد ويظهر إنه فعلاً سيتألم ولذلك لن يرتكب خطأً مرة أخرى.
وفي أقل الحالات يكون الصمت هو الإستراتيجية الأصوب لأن السياسة الأمريكية على مدى تاريخها الطويل كانت تتخذ سياسة (دعهم في حالة تحمين)
KEEP THEM GUESSING وكان العالم (يسهر جراها ويختصم). لا شئ أوقع من أن تجعل خصمك في حالة تخمين. أي أننا لو صمتنا ولم نصرح بشئ لظلت الحكومة الأمريكية في حالة تخمين مستمر ولاستعانت بعدد لا يستهان به من المخبرين والمحللين لكي يخمنوا ما الذي سيفعله السودانيون وما إذا كانت تلك العقوبات موجعة. ولو أحسنا صنعاً لصرح مسؤولونا بأعلى أصواتهم أن تلك العقوبات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ستضر بالإقتصاد السوداني ضرراً موجعاً وإننا ندين ونشجب ونستنكر ذلك القرار المجحف – ونحن قد اعتدنا أن ندين ونشجب ونستنكر في كثير من البيانات السابقة كل ما نريد أن ندينه ونشجبه ونستنكره. فيبتهج المستر بوش ويشعر بالإرتياح ويتنفس الصعداء الأمريكية ولا يفكر في الإقدام على خطوات جديدة أشد إيلاماً. ولكننا بعد تصريح السيد حمدي كنا نقول للمستر بوش (قرارك موصو واشرب مويتو) ونحن لا ندري ماذا سيفعل بعد أن (يموصو ويشرب مويتو). وهذه منطقة الليل الخافي من السياسة الأمريكية التي لا يجب أن يقذف عاقل بنفسه فيها.
هذه ناحية .
ومن ناحية أخرى فالسودان ما كان له أن يعاني أبداً من إنفصال الجنوب وذهاب النفط إلى حيث ذهب. وما كان له أن يعاني عجزاً في ميزانيته يضطره إلى إتخاذ خطوات مرة الطعم وعسيرة الهضم على شعبه لأن كل ذلك مكفول في الترتيبات المالية في بروتوكولات مشاكوس التي سبقت إتفاقية نيفاشا. وقد أشرت لها من قبل في عديد المقالات التي نشرتها لكنها لم تحرك ساكناً عند أحد. وما كان لكل ذلك أن يكون لولا أننا قد تغاضينا عن أمور جوهرية في إتفاق مشاكوس الذي تم التوقيع عليه يوم 20/7/2002 بين حكومة السودان وبين الحركة الشعبية وقد ضمنته النرويج وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة والأمم المتحدة.
في ذلك الإتفاق ومن البروتوكولات الموقع عليها بعد أن وافقت حكومة السودان على منح الجنوب حق تقرير المصير هناك برتوكول الترتيبات المالية الذي يعرف بال FTA وهو إختصار لمصطلح Financial Transitional Arrangements الترتيبات المالية الإنتقالية. وينص ذلك الإتفاق على أنه في حالة إختيار الجنوب الإنفصال فإنه يترتب على الدولة المنفصلة أن تدعم إقتصاد الدولة الأم لفترة محددة حتى لا يترتب على ذلك الإنفصال إنهيار الدولة الأم. كما يستوجب أن يقوم المجتمع الدولي بتقديم المساعدات المالية اللازمة للدولة الأم حتى يضمن سلامة إقتصادها. والمجتمع الدولي ممثلاً في الترويكا يضمن هذا الإتفاق ويرعاه. فما الذي حدث؟
لقد إستطاع الجنوبيون بحركة مخططة ومدروسة بشغلنا عن هذا الحق بإمور جانبية مثل أبيي وجبال النوبة وغيرها. فلماذا تركنا هذا البند ولم نتطرق إليه في أية مفاوضات وهو حق من حقوقنا ضمنته لنا المنظمة الدولية راعية الإتفاق؟
ومن ناحية أخرى كان الأولى من البداية مصارحة الشعب بأن إقتصادنا سيتأثر سلباً من جراء إيقاف التدفق النفطي وبالتالي التدفق النقدي الذي إعتدنا عليه طيلة الفترة التي كنا نستفيد منها من نفطنا. لقد إعتمد إقتصادنا على دولار نتحصل عليه من النفط دون أن يسنده بديل آخر. ودخل في موازناتنا كأمر حتمي لا أحد يفكر في الذي يمكن أن يحدث لنا إن توقف ذلك. وبعد أن توقف إضطررنا إلى معالجات تعتمد سياسة رزق اليوم باليوم أو من اليد للفم From hand to mouth وأصبح الدولار هو هاجسنا الأوحد الذي يرهقنا كل يوم بصعوده.. لأن وجوده وإقامته بين ظهرانينا لم تكن حقيقية بل إنه كان مستأجراً عودنا على دفع الإيجار ولكنه غادر الآن. إن الحصول على دولارات من أية جهة لا يمكن أن تكون بديلاً لخطة إستراتيجية تجعل الدولار مقيماً بيننا. فالدولار الذي يزورنا من وقت لآخر كالمغترب الذي يأتي لأهله في إجازته السنوية فيصرف ببذخ يسعد أهله لفترة مؤقتة ثم يعود أدراجه تاركاً الجميع في حيرة ومسغبة.
والأمر هكذا فإنه يتطلب في المقام الأول أن نعي أن لنا حقوقاً حتى ولو لم نطالب بها فإنها لا تسقط بالتقادم فالإتفاقية موجودة ومودعة في مضابط الأمم المتحدة وموقع عليها من قبل بريطانيا وفرنسا وأمريكا والنرويج تحت ضمانة الأمم المتحدة. ولو كنا لئيمين اللؤم الدولي الذي يناسب هذه الحالة لرفضنا أن نوقع على نتيجة الإستفتاء والقبول بإنفصال الجنوب حتى نعطى حقوقنا كاملة مثل أن يعفى السودان من جميع ديونه وأن تضخ في خزينتنا الأموال التي تضمن أن إنفصال الجنوب لن يؤثر على إقتصادنا وفقاً لما جاء في بروتوكول مشاكوس المبرم في 20/7/2002 وأن نظل نقاسم الجنوب الإنتاج من النفط لمدة عشرين سنة قادمة .
إننا نتمتع بطيبة هي في جميع الأحوال مضرة.. وقد ذكر أحد الفنيين الروس ممن إشتركوا في بناء السد العالي في مذكراته إنه في غاية من الإستغراب والدهشة كيف وافق السودان على بناء السد العالي دون أن ينال حظاً من الكهرباء وثلثي الماء يقع في أراضيه ويغرق معظم مناطق آثاره ومدنه ومنها مدينة حلفا. وأنا أضم إستغرابي ودهشتي التاريخية له. ونحن على إستعداد لقبول كل الدهشات التي تأتي منكم والمذيلة بمقولة تاريخية ظلت تتبعنا كظلنا في جميع المواقف بعد فوات الأوان تقول:
– والله نحنا ما قايلنها كدا..!!!
والآن فإن الأوان لم يفت وفي رأيي أن تلتفت الحكومة القائمة اليوم إلى حقنا المعترف به دوليا وبضمانة الأمم المتحدة أنه في حالة اختيار الجنوب الإنفصال تقدم دول الترويكا الموقعة على ذلك كل ما من شأنه أن يضمن ألا ينهار إقتصاد السودان. وأن تختار هيئة عالمية من كبار القانونيين الدوليين وتبرز تلك الإتفاقيات التي تحفظ لنا حقوقنا في ألا ينهار إقتصادنا في حالة إنفصال الجنوب وفي حالة موافقتنا على ذلك. والحق حق لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير المناخ ولا بثقب الأوزون مهما إتسع .

زر الذهاب إلى الأعلى