كانت السلطات الاستعمارية قبل نيل السودان استقلاله تتفنن في معاقبة المناضلين والثوار الوطنيين من المدنيين والعسكريين الذين يرفعون قبضات عزمهم في وجه المستعمر ليشعر بأنه غير مرغوب فيه فيغادر الى غير رجعة .
فتجده يجنح إلى كل أساليب البطش والترويع لكسر شوكة معارضيه من احكام ايداعهم السجون وحتى تنفيذ أحكام الاعدام الجائرة فضلا عن أسلوب النفي إلى المناطق المعزولة في الداخل والموبوءة بالمسببات الفتاكة واحيانا يتم النفي إلى خارج البلاد ..وذلك بالطبع شيء متوقع من أجنبي غريب ومحتل.
غير أن الحال تبدل في بدايات فترات الحكم الوطني خاصة المدني في كثير من جوانب تلك العقوبات التي تتخذ وفق القانون ما عدا مسألة النفي عن الوطن لأن ذلك حق لا يملك أحد ولو كان حاكما أن ينفي مواطنا خارج موطنه مهما كان جرمه ..ولم تشهد حتى فترتي حكم عبود ونميري العسكريتان أية حالات نفي لاي مواطن معارض او حتى مجرد التهديد بعدم عودته حيا او ميتا أن لم تخني الذاكرة.
ولكن فترة الإنقاذ بصورة خاصة لشد ما داخلها الغرور بأنها ستكون خاتمة المطاف الذي سيصل بحكمها إلى يوم يبعثون كما تندر بعض قادتها ..كانت قد ذهبت إلى ما يشبه أسلوب النفي الاستعماري عبر الاصرار السافر والكلام الجزافي .
واذكر أن رئيس البرلمان الفاتح عزالدين في مرحلة من تلك الحقبة الظلامية قال عبر منصة مجلسه أنهم لن يسمحوا لاي معارض ليس بالعودة فحسب بل غير مسموح بأن يدفن في تراب البلاد إذا ما قدر له أن يتوفاه الله في منفاه .
غير أن تلك العنتريات كانت تتكسر شوكتها عند أول جلسة تفاوض على قسمة السلطة مع اولئك المعارضين فيعود الواحد منهم ولو كان محكوما بالاعدام للمشاركة في السلطة أما نائبا لرئيس الجمهورية أومستشارا بقصر الرئاسة أو حاكما لإقليم أو ليتسنم اي منصب يفصل على مقاسه .
ذات تلك النبرة الاستعلائية المشحونة بلغة الوصاية بدأت تتعالى هذه الأيام تلميحا من بعض اقلام بنكك.
فضلا عن ما تشهده محكمة بورتسودان من تلك المحاكمات الغيابية التي لا تعدو كونها مضبعة للمال والزمن بل و إراقة لماء وجه العدالة الشائه بالغرض السياسي أكثر من كونه يسعى لتحقيق العدالة في حد ذاتها استباقا لوضع الحرب أوز ارها على أية صيغة وهو ما يحتمل بان تتكشف الكثير من الحقائق المخبوءة خلف علو صوت الإعلام المسخر لتبييض صفحة جهات بعينها وتلطيخ صفحة خصومهم بشتى الوان النعوت و صنوف الادعاءات.
و لكن ليعلم الداعون لإغلاق بوابات الوطن بضبة الخصومة و مزاليج تصفية الحسابات و بمفتاح الفجور في ادعاء ملكية الوطن دون غيرهم اغتناما لريح عابرة قد تذهب في أية لحظة .
فنقول لهم أن الأيام دول وقد تدور دائرتها على من هو ممسك بقلم الظلم ويكتب ما يروق له أن يصبح يوما خارج الحدود لاي ظرف أو تحول مفاجيء على حين غرة .. ومن ثم يعود من هم خارج البلاد لتشتعل بقدومهم مواكب السلام في كل زوايا الوطن الواحد باذن الله بعد تعافيه من جراحات السكاكين التي غرسها أصحاب الغرض المعلوم في كبد الحياة .
والتاريخ قد سجل لنا ولن ينسى عودة الراحل جون قرنق الذي استقبلته الملايين وخرج من الساحة الخضراء محمولا على أكتاف خصومه إلى منصب النائب الأول لرئيس النظام .
لن تدوم الدولة ولا الصولة لمن هو على سدتها في أي زمان ومكان ..ولا احد يعلم ما الذي سيكون غدا من تحولات قد تقلب الطاولة رأسا على عقب .
فالوطن أوسع من صدر الذين يحاولون تضييق براحاته على غيرهم ظنا منهم أن مد أرجلهم فوق رؤوس الاحوال سيمتد إلى ما لا نهاية
وما الدائم إلا وجه المولى الكريم ..وهو من وراء القصد والمستتعان.



