الثعبان الجريح: حكاية رعب في وضح النهار” ملحمة من صميم الواقع المرير بقلم: الإعلامي أحمد الأمين
المستشار معاوية ابو الريش

الفصل الأول: عودة المنهك
في ذروة انتصاف النهار، حين تلتهب الشمس وتحرق الأفق، عدتُ إلى عتبة داري محملاً بأثقال الخيبة. كانت رحلتي إلى شركة الكهرباء – ذلك المعبد المقدس للوعود الكاذبة – قد أضافت فصلاً جديداً إلى ملحمة الإحباط التي نعيشها.
شهرٌ كاملٌ يمضي ونحن نطارد سراب الكهرباء، نتنقل بين المكاتب كالمتسولين، نُمطَر بالوعود كما تُمطَر الصحراء بقطرات لا تروي ظمأً. وفي كل مساء، يلفّنا الظلام بعباءته السوداء، شاهداً صامتاً على خذلان المسؤولين.
ألقيتُ بجسدي الذي أنهكته حرارة الشمس ومرارة الخذلان على فراشي، بعد أن ارتشفتُ من الزير – ذلك الرفيق الأمين الذي صار آخر حصوننا في زمن انهارت فيه كل الحصون. ماءٌ باردٌ يطفئ لهيب الغضب، ويبرّد جمرة الإحباط من “ناس كهرباء بحري” ووعودهم التي صارت أكذوبة نعيشها يومياً.
أردتُ قيلولة قصيرة، لحظات هدنة مع هذا اليوم الحارق، غفوة أستجمع فيها ما تبقى من طاقتي المنهارة.
لكن القدر كان له رأيٌ آخر.
الفصل الثاني: سيمفونية الرعب
فجأة، مزّق صراخٌ مدوٍ نسيج السكينة الهشة.
اخترقت صيحات الأطفال جدران منزلي كما تخترق السهام الدروع. كانت أصواتهم تحمل نبرة الفزع البدائي، ذلك الخوف الغريزي الذي يستيقظ في الإنسان حين يواجه الموت وجهاً لوجه.
ثم تصاعدت الأصوات: هرولة، صراخ، فوضى عارمة في الشارع الهادئ الذي كان يغطّ في سُبات الظهيرة.
وقبل أن أستجمع وعيي المشتت، قبل أن أستوعب حجم الكارثة الزاحفة نحوي، انهالت على بابي قبضةٌ هستيرية، طرقاتٌ متلاحقة كأنها نبضات قلبٍ يصارع الموت في لحظاته الأخيرة.
نهضتُ مذعوراً، أسارع نحو الباب، وحين فتحته…
في تلك اللحظة المروعة، في ذلك الجزء من الثانية الذي يفصل بين الحياة والموت، بين الأمان والكارثة، انزلق من تحت قدمي كابوسٌ حيّ – ثعبانٌ ضخمٌ جريحٌ، جسده الأرقط يتلوى في عذاب الموت، ودماؤه تخطّ على أرضية بيتي خطوطاً قرمزية كأنها توقيع الجحيم.
توقف الزمن.
تجمّدت الأنفاس في الصدور.
وفي تلك اللحظة الأبدية التي لا تتجاوز ثانية واحدة، أدركتُ أن الموت قد دخل بيتي طالباً اللجوء.
الفصل الثالث: المطاردة
انفجر الباب مرة أخرى، واقتحم المشهد شابٌّ من جيراننا – في مقتبل العمر، وجهه يقطر عرقاً، عيناه متّقدتان بلهيب الأدرينالين. في يده سكينٌ تقطر منها دماءٌ قانية، شاهدة على معركة ضروس دارت رحاها في الشارع قبل لحظات.
“طعنته!” صاح بصوتٍ يمزج الفخر بالخوف، “طعنته في أكثر من موضع، لكن الملعون تحامل على جراحه وهرب إلى هنا!”
بدأت الملحمة الدموية داخل أسوار بيتي.
غرفة تلو الأخرى نفتشها، زاويةً تلو زاوية نقلبها، خلف كل أثاث نبحث، في كل شق نتفحص. قلوبنا تدق كطبول الحرب، أيدينا ترتعش كأوراق الخريف في مهب الريح، أنفاسنا تتصاعد متقطعة كأنفاس الغريق.
والنساء؟ النساء في حالة من الهلع لا توصف – فهنّ اللواتي يرتعدن من الضب والسحلية، فكيف بثعبان ضخم جريح مسموم، ثعبان يصارع الموت ولا يدري أن سمّه قد يكون آخر أسلحته في معركته الأخيرة؟
بحثنا… وبحثنا… ثم…
اختفى الثعبان.
تبخّر في أركان المنزل كما يتبخر الأمل في صدور أهل هذه المدينة المنكوبة. ذاب في الظلمات كما تذوب أحلامنا في مستنقع الإهمال الحكومي.
الفصل الرابع: الحصار
الآن، بينما تقرأون هذه السطور، لا يزال الخطر كامناً في مكانٍ ما بين جدران بيتي. ربما تحت سريري، ربما خلف خزانتي، ربما في زاوية مظلمة ينتظر فيها أن يلفظ أنفاسه الأخيرة… أو أن يلدغ أحدنا في لحظة غفلة.
الأطفال؟ مشردون في الشارع، لا يجرؤ أحدهم على العودة. يقفون على عتبات الأبواب كاللاجئين، أعينهم تنظر بحسرة إلى بيوتهم التي تحولت إلى قلاع محاصرة.
والخوف؟
الخوف يخيّم على المنزل كما يخيّم الظلام كل ليلة بسبب انقطاع الكهرباء. خوفٌ كثيفٌ يمكن أن تلمسه بيديك، أن تتنفسه مع الهواء، أن تراه في عيون الصغار قبل الكبار.
الفصل الخامس: مدينة تلتهمها الأدغال
اسمعوا أيها السادة، اسمعوا أيتها السيدات:
هذه ليست رواية من بنات خيال روائي عبقري. هذه ليست حكاية من “ألف ليلة وليلة”. هذه ليست مشهد من فيلم رعب هوليوودي.
هذا واقعنا في حي ديوم بحري، في قلب الخرطوم، في قلب العاصمة.
ديوم بحري، ذلك الحي الذي كان يوماً واحة حضارية، تحوّل إلى أدغال موحشة. الأحراش تزحف على الشوارع، الأعشاب البرية تخنق الأزقة، والوحوش – نعم الوحوش – صارت تشاركنا العيش في أحيائنا، بل في بيوتنا.
كيف وصلنا إلى هذا الدرك الأسفل من الانحدار؟
إنه التجاهل المتعمد – ذلك التجاهل المقصود، المدروس، الممنهج – من والي ولاية الخرطوم وأركان حربه. تجاهلٌ صار سياسة، وإهمالٌ صار منهجاً، ونسيانٌ صار قراراً.
للمرة الأولى في تاريخها العريق، تشهد بحري – سر الهوى – هذا التدهور البيئي المرعب، هذا الانحدار المريع، هذا السقوط المدوي في هاوية الإهمال.
والحكومة القائمة الآن؟ تدير ظهرها لنا كما يدير القاتل ظهره لضحيته.
الفصل السادس: حين يصير العلاج مستحيلاً
وحين يلدغ الثعبان أحدنا – لا قدر الله – فأين الترياق؟
مستشفى بحري؟ خالٍ من مصل الثعابين كما هو خالٍ من الاهتمام الحكومي.
أمدرمان؟ رحلة تحتاج مواصلات لا نملك ثمنها، ووقتاً لا يمنحه السمّ القاتل لضحاياه. فالسمّ يجري في العروق كالنار، والوقت يداهمنا كالجلاد، والمسافة إلى أمدرمان تصير في تلك اللحظات كالمسافة بين الأرض والسماء.
وبأمر الوالي – ذلك الأمر الضمني غير المكتوب – مكتوبٌ على أهل بحري أن يرحلوا إلى أمدرمان للتسوق أو العلاج أو حتى للبقاء على قيد الحياة.
نحن في بحري صرنا مواطنين من الدرجة الثالثة، بل الرابعة، بل ربما لسنا مواطنين أصلاً في نظر من يحكموننا.
الفصل السابع: فلسفة الخوف
تستيقظ في ذاكرتي مقولة الفنان الراحل عادل إمام: “أنا أخاف من الكلب يطلعي أسد”
ويتردد في أذني صدى المثل الشعبي الخالد: “الضاق عضة الدبيب بخاف من جر الحبل”
ثعبانٌ جريحٌ يلوذ ببيتي هرباً من الموت، وأنا عاجزٌ عن طرده دون أن أعرّض حياتي وحياة أسرتي للخطر. عاجزٌ عن حمايته من نفسه، عاجزٌ عن حماية أهلي منه.
إنها مفارقة الضعيف الذي يواجه ضعيفاً آخر، بينما الأقوياء يتفرجون من بعيد.
الفصل الثامن: سؤال لا جواب له
يا سادة، يا أصحاب القرار، يا من تجلسون في مكاتبكم المكيّفة:
إلى متى نعيش هذه الحياة المعلقة بين الخوف والترقب؟
إلى متى تبقى بحري مدينة منسية، مدينة متروكة، مدينة مهجورة في قلب العاصمة؟
إلى متى نُترك لنصارع ثعابيننا وحدنا، لنقاوم ظلامنا بمفردنا، لنواجه مصيرنا دون أن يلتفت إلينا أحد؟
غايتو، الواحد منا بقي ما عارف نفسه: هل يعيش في بحري الخرطوم، أم في غابات الأمازون المتوحشة، أم في أحراش أفريقيا البدائية؟
الخاتمة: صرخة في وادٍ
هذه ليست مجرد حكاية ثعبان جريح اقتحم بيتاً.
هذه حكاية مدينة بأكملها تلدغها أفاعي الإهمال كل يوم.
هذه حكاية شعب يموت ببطء بسمّ التجاهل والنسيان.
هذه حكاية وطن تتآكله الأحراش بينما المسؤولون يغطّون في سبات عميق.
نداءٌ عاجل:
يا من تقرأون هذه السطور، إن كان بينكم من يملك مصل الثعابين، فليسارع بإرساله قبل أن يُخيّم الظلام – ذلك الظلام المزدوج: ظلام الليل وظلام انقطاع الكهرباء.
فالحكاية هذه ما مضمونة، والثعبان لا يزال كامناً، والخطر محدق، والليل آتٍ لا محالة.
ونحن؟
ننتظر… نخاف… ونتساءل:
متى سيأتي النهار الذي لا ثعابين فيه؟
قرأتُ هذه القصة الواقعية المروعة على الصفحة الشخصية للإعلامي السوداني الكبير أحمد الأمين على منصة فيسبوك، فهزّتني حتى الأعماق. أردتُ أن أنقلها لكم بصياغة درامية تليق بهول ما حدث، وبحجم المأساة الإنسانية التي يعيشها إخوتنا في بحري. فهذه ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي رمز لواقع مرير يعيشه آلاف البشر في صمت، بينما العالم يمضي غافلاً عن معاناتهم.



