
#روما، رضوان علي الحسن 🇮🇹
أين ذهب عرين الكرة الإيطالية؟ سؤال ثقيل يلح على شفاه عشاق الكالتشيو هذه الأيام، بعدما سجلت كرة القدم الإيطالية واحدة من أقسى إخفاقاتها القارية في العصر الحديث. المشهد الذي رأيناه هذا الموسم صادم بكل المقاييس: نصف نهائي البطولات الأوروبية الثلاث يخلو تماما من أي ممثل للدوري الإيطالي. صفر إيطالي في الحفلة الكبرى. هذا ليس كبوة حصان، هذا انهيار لمنظومة كروية كانت تفرض هيمنتها على العالم قبل عقدين فقط.
والأرقام لا تحتمل التأويل. بولونيا وفيورنتينا ودعا الدوري الأوروبي ودوري المؤتمر من ربع النهائي. وإنتر ويوفنتوس سقطا من الملحق في دوري الأبطال، ونابولي غادر من دور المجموعات، أما أتالانتا فاصطدم ببايرن ميونيخ في دور الـ16 وانتهى الحلم. حصيلة صفرية في أدوار الأربعة الكبار، وهذا لم يحدث منذ زمن بعيد.
هنا دعونا نفتح الجرح أعمق. منذ تتويج يوفنتوس بلقب دوري الأبطال عام 1996، رفع الإيطاليون الكأس ثلاث مرات فقط: ميلان 2003 و2007، وإنتر 2010. وهذا الأخير يعود إلى 16 عاما مضت. ستة مواسم أخيرة شهدت خروج الكالتشيو من دور الـ16 في أربع مناسبات، وخلال عشر سنوات لم نشهد إلا وصولا يتيما إلى نصف النهائي (روما 2018)، باستثناء نهائي يوفنتوس الخاسر.
فصحيفة “لاجازيتا ديلو سبورت” ضربت على الجرح المكشوف بقسوة، وقالت إن المشكلة أعمق من النتائج. المشكلة في أسلوب اللعب نفسه. الفرق الإيطالية باتت تعاني أمام أي خصم يلعب بإيقاع عال، والاعتماد على التكتيك التنظيمي أكل على حساب المهارة الفردية. الصحيفة سخرت ساخرة مرة، وكتبت أن الدوري الإيطالي ربما يملك أعلى نسبة تمريرات ناجحة في أوروبا، لكنها تمريرات بلا مخاطرة. تمريرات في المنطقة الخلفية لا تؤدي إلى شيء. هذا هو قاتل الإبداع بعينه.
والسيد فابيو كابيلو، الرجل الذي عرف كيف يفوز بالاسكوديتو والأوروبي، قرأ المشهد بدم بارد. كابيلو قال إن الأزمة مرشحة للاستمرار، وليس هناك حل سحري. وحدد مشكلتين رئيسيتين: كثرة تدخل الحكام التي تقطع إيقاع المباريات، ونقص الجودة الفنية لدى اللاعبين الإيطاليين. كلام كابيلو كان صادما: “الكرة الإيطالية بحاجة للعودة إلى الأساس. أعطوا الأولوية للمهارة قبل التكتيك، وارفعوا سرعة اللعب. الآخرون يلعبون بضعف سرعتنا”. هذه إدانة صريحة لمنهج كامل.
وكابيلو ضرب مثالا حيا على ضعف مستوى التنافس في إيطاليا، وقال إن لاعبين مثل ماكتوميناي وهويلوند ومالين لم يكونوا نجوما في إنجلترا، لكنهم نجحوا بسرعة في إيطاليا. لماذا؟ لأن البيئة هناك أسهل. هذا اعتراف قاسٍ بفجوة مستوى كبيرة بين الكالتشيو والدوري الإنجليزي.
والخطر الأكبر الذي ركز عليه كابيلو، متفقا مع كارلو أنشيلوتي، هو فقدان الميزة التاريخية للكرة الإيطالية. كابيلو قال: “كنا أساتذة الدفاع في أوروبا والعالم. أما اليوم فنحاول البناء من الخلف فنؤذي أنفسنا. لم نعد ننتج مدافعين حقيقيين”. هذه هي الكارثة بعينها. عندما يفقد الإيطاليون هويتهم الدفاعية، ولا يجدون هوية هجومية بديلة، يصبحون بلا عنوان.
أما الخلاصة التي يفرضها الواقع: إيطاليا أمام مفترق طرق حاسم. إما العودة إلى جذور القوة وتطويرها بلمسة عصرية، أو الاستمرار في هذا النزيف الصامت. الخيار الثاني لا يليق بتاريخ الكالتشيو العريق، لكن ما نراه على أرض الواقع لا يبشر بخير.



