رشا عوض
الفاشية الدينية، طالما امتلكت أدوات القهر والإخضاع الأمني والعسكري لخصومها، تظل فاقدة تماماً لحاستي السمع والبصر تجاه الآخر المختلف معها؛ لا تراه إلا كلباً ذليلاً مستمتعاً بتبعيته لسيده!
الوسيلة الوحيدة لإعادة حاستي السمع والبصر إليها، لترى الآخر مخلوقاً مكافئاً لها وله حقوق يجب أخذها بعين الاعتبار، هي تجريدها من أدوات القهر، أو توجيه ضربات موجعة لهذه الأدوات تجعلها عديمة الجدوى في فرض السيطرة القاهرة.
لقد تمنيت من كل قلبي أن يكون السودان استثناءً، وألا تجرجره الفاشية الكيزانية إلى هذه الحرب المدمرة، ولكن بكل أسف خاب ظني! فالحرب اندلعت، وربما تسببت في تقسيم السودان أو تدشين مشروع استبدادي جديد!
بلادنا ابتُليت بفاشية الكيزان، وعلى مدى ثلاثين عاماً، كل من مد يده مصافحاً لهذه الفاشية طلباً للسلام والتحول الديمقراطي بصورة طوعية، كان جزاؤه سرقة بعض أصابع يده المصافحة المصالِحة!!!
وانطلاقاً من هذه التجربة، فإن فرضية أن سبب استمرار الحرب هو عدم قبول الكيزان في معادلة السلام والانتقال السياسي مغلوطة ومضللة؛ لأن الإقصاء مصدره الكيزان لا سواهم، وقد نفذوه عملياً بإشعال هذه الحرب، التي خصصت رصاصها الإعلامي والسياسي لاغتيال القوى المدنية في المقام الأول.
وسيطر الكيزان على السلطة، ووظفوا كل أدواتها القمعية في استئصال ثورة ديسمبر المجيدة، واستئصال كل من يقول: لا للحرب، نعم للسلام، ونعم للدولة المدنية الديمقراطية.
ومن نماذج الاختلاف بين الكيزان في كيفية التعامل مع القوى المدنية نموذج الاختلاف بين الصحفي عادل الباز، الذي قال بوجوب قبول توبة المدنيين لو عادوا تائبين، وأمين حسن عمر، الذي قال لا يجب قبول توبتهم!!
وطبعاً الخطيئة التي يجب أن يتوب عنها المدنيون هي رفض الحرب والمطالبة بالديمقراطية!
الكيزان، باختصار، لا يطرحون أي مشروع للشراكة في الوطن؛ لأنهم ببساطة لا يرون في السودان سوى ضيعة تخصهم وحدهم! وبالتجربة، أي يد امتدت لهم كافؤوها بقطع أصابعها! ورغم ذلك، هناك من يمد يده بأصابعها المقطوعة المسروقة للكيزان، ويطالب الآخرين بذلك، عَشَماً في رشد الفاشية!! وافتراضاً بعدم رغبتها في القطع والسرقة مجدداً! هذا عشم إبليس في الجنة!
بعد كل هذا الدمار، يجب أن تكون الأولوية لتوحيد صف قوى السلام والتحول الديمقراطي في خانة استقلال تام عن هذه الفاشية الكيزانية، بهدف عزلها وحصارها سياسياً ومعنوياً حتى تثوب هي إلى رشدها! ولن تفعل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، بكل أسف!
سيقبل تيار من الكيزان بشروط موضوعية للتعايش السلمي مع بقية المواطنين في حالة واحدة فقط: أن يفقدوا أدوات السيطرة العسكرية والأمنية على البلاد، وأن تصبح هيمنتهم متعذرة عملياً! وهذا يمكن أن يحدث عبر عدد من السيناريوهات.
إن حدث ذلك، يمكن أن تنخرط بعض تيارات الكيزان في حياة سياسية طبيعية مع الذين كانوا لا يرونهم، ولا يسمعون صوتهم، ولا يعترفون بوجودهم أصلاً!
لو أن الكيزان، بلسان الأفعال لا الأقوال، خفضوا راية الحرب والكراهية والإقصاء والتخوين والتجريم لكل
مختلف معهم، وقبلوا بأنهم في هذا الوطن شركاء لا أوصياء، سيكون هناك منطق محترم في الحوار معهم من موقع مستقل وحذر جداً؛ لأن الحوار هنا ستكون له أرضية يقف عليها.
الآن، هذه الأرضية معدومة، ومن أعدمها هم الكيزان وليس القوى المدنية!
وبالتالي فإن الزعم بأن المعضلة هي عدم قبول القوى المدنية بالحوار، وكأنما الكيزان هم ضحية إقصاء، فهذا لا يعدو انخراطاً في مشاريع غسيل مجانية للفاشية الكيزانية، ومساعدتها في الكذب وتزييف الواقع بترديد سردياتها الكذوبة التي تضعها في خانة الضحية التي تعرضت للإقصاء والانتقام والتشفي.
كيزان السودان لا يحق لهم مطلقاً وضع أنفسهم في خانة الضحية، مثل كيزان مصر أو سوريا أو تونس! وقد ناقشت هذه الفرية الكيزانية قبل الحرب وقبل الثورة نفسها، في سياق الرد على مقالة للدكتور عبد الوهاب الأفندي، حاول فيها التماس براءة للكيزان وتبرير انقلابهم العسكري عام 1989 بأثر رجعي، على خلفية ما حدث لإخوان مصر!
في السودان، الكيزان هم الجاني المستبد الفاسد، لا الضحية التي تم إقصاؤها من الملعب بقوة الدولة العميقة!! الكيزان في السودان هم الدولة العميقة، أو بالأحرى الدولة الموازية التي دمرت جهاز الدولة الأصلي على علّاته!
وبالتالي فإن أي مواعظ وفاق أو توافق، أو نبذ لخطاب الكراهية والإقصاء والانتقام والتشفي، يجب توجيهها للجاني أولاً، وليس لضحاياه.



