الأعمدة

كباشي وكامل إدريس،، لقاء السحاب..

.ساقتني خطى التأمل للتوقف برهةً، ومحاولة قراءة ما بين ثنايا اللقاء الذي جمع عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، برئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، إذ بدت تفاصيل اللقاء أبعد من مجرد اجتماع رسمي في روزنامة الدولة، وأقرب إلى لحظة سياسية كثيفة الدلالة، تتلاقى فيها الخبرة المتراكمة مع الرؤية الساعية إلى إعادة ترتيب المشهد التنفيذي، لقاءٌ جاء في توقيته ومضمونه أشبه بـ(لقاء السحاب)، حين تلتقي القمم على ارتفاع الوطن، بعيداً عن ضجيج التفاصيل وصخب المصالح.

ويعدُّ لقاء الرجلين، الأول من نوعه منذ تسلُّم د. كامل إدريس مهامه للعمل من قلب العاصمة الخرطوم، المدينة التي شهدت خلال الأيام الماضية حراكاً محموماً لرئيس الوزراء، متنقلاً بين مؤسسات الدولة، ومُحتكَّاً بشكل مباشر بالمواطنين، من خلال تفقده الأسواق، ومرافق الخدمات، في مسعى واضح لإعادة النبض إلى جسد العاصمة المنهك، وتهيئة البيئة لدعم جهود العودة الطوعية والآمنة لمواطني ولاية الخرطوم بعد طول غياب فرضته ظروف الحرب.

وفي سياق اللقاء، قدّم رئيس مجلس الوزراء تنويراً شاملاً حول أداء الجهاز التنفيذي وسير عمل اللجان المعنية بتوفير الخدمات الأساسية، بالتأكيد على أن معركة ما بعد الحرب لا تقل شراسة عن معركة السلاح، وأن إعادة الخدمات واستعادة ثقة المواطن في دولته تمثل المدخل الحقيقي لمرحلة التعافي الوطني، كما حمل اللقاء بُعداً مهماً بتعهّد د. كامل إدريس بتكثيف الجهود وتقديم الإسناد والخدمات الضرورية لمناطق جنوب كردفان المتأثرة بالحرب، في رسالة تؤكد أن أولويات الدولة لا تتجزأ بين مركز الدولة وأطرافها.

وتتعاظم أهمية اللقاء عند التوقف أمام شخصية الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بوصفه أحد أكثر القادة إلماماً ببواطن العمل التنفيذي، فقد قاد الرجل دفة الحكومة عقب الإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021م، والتي حلَّ بموجبها مجلسي السيادة والوزراء، وما أعقبها من استقالةٍ مفتعلة لدكتور عبد الله حمدوك والذي تأثر بالضغوط السياسية التي مارستها عليه قوى الحرية والتغيير الرافضة لقرارات أكتوبر، وقد الفريق كباشي اكتسب خلال أربع سنوات، تجربةً عميقة في إدارة الدولة، ومعرفةً دقيقة بمكامن الخلل التي تعوِّق الأداء وسبل معالجتها عبر التشاور والتخطيط الواقعي، وهي خبرة تجعل من هذا اللقاء إضافة حقيقية لمسار التنسيق بين رأس الدولة التنفيذي ورئاسة الحكومة.

ولم يكن اهتمام اللقاء بتهنئة القوات المسلحة على الانتصارات التي تحققت في محوري المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، أمراً عابراً، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية واضحة، باعتبار رهان الحكومة على أن التحركات العسكرية الجارية تمثل بداية النهاية لاجتثاث شوكة التمرد من جسد السودان، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تُبنى على الاستقرار واستعادة هيبة الدولة.

ويعكس لقاء (كباشي – إدريس)، في مجمله، ملامح التنسيق القائم بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية في هذه المرحلة الدقيقة، وهو تنسيق لا يقوم على التداخل المربك أو الإقصاء، بل على تكامل الأدوار وتبادل المسؤوليات: مؤسسة عسكرية تضطلع بواجبها في حماية الوطن وتأمينه، وحكومة مدنية تتحمل مسؤولية إدارة الدولة وتسعى لتوفير الخدمات وإعادة الإعمار، وفي ظل تعقيدات المشهد السوداني، يظل هذا النوع من التناغم شرطاً أساسياً لعبور المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر وأكثر قدر ممكن من الأمل، وإذا ما استمر هذا النهج، فقد يُسجَّل هذا اللقاء لاحقاً كإحدى المحطات المضيئة في مسار بناء الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى