الأعمدة

جماعة الإخوان بعد قرن من الزمن: ماذا تقول الحصيلة؟ وهل حان وقت “الحل”؟

د. محمد الهاشمي الحامد، رئيس قناة المستقلة
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، وبعد عامين تُكمل قرنًا كاملًا من الزمن. قامت الجماعة بشعارات واضحة: إحياء الخلافة، ونصرة الشريعة، وإعلاء راية الدين.
وخلال هذا القرن، لم تكن الجماعة تنظيمًا هامشيًا، بل لعبت أدوارًا سياسية واجتماعية مؤثرة في عدد من الدول العربية. وبلغ نفوذها السياسي ذروته في الفترة ما بين 2011 و2013، حين كانت لها الكلمة الأولى والحاسمة في الحكم أو المشهد السياسي في دول مثل مصر وتونس وليبيا. وكان في صفوفها آنذاك آلاف من الأساتذة الجامعيين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، والمحاسبين، والإعلاميين.
ومع ذلك، فشلت الجماعة في البقاء في الحكم أو تحقيق أهدافها الكبرى في أي من هذه الدول.
وقبل تلك المرحلة، وصلت إلى السلطة في السودان عبر انقلاب عسكري عام 1989، وبقيت ثلاثين عامًا حتى عام 2019. ومع طول هذه التجربة، لم تكن نتائجها السياسية أو الاقتصادية أو الأخلاقية جذابة أو مُقنعة، لا لشعوب المنطقة ولا حتى لأنصار المشروع نفسه.
من هنا يفرض التاريخ سؤالًا منهجيًا لا يمكن تجاوزه، لا بقصد المقارنة بين المقامات، بل من باب التأمل في أهمية الزمن في تقييم الدعوات:
كيف يُطلب من الناس تجاهل حصيلة قرنٍ كامل من العمل بحجة أن “الدعوات الدينية طويلة النفس ولا تُقاس بالسنوات”، بينما استطاعت الدعوة النبوية — وهي أصدق دعوة دينية في التاريخ — أن تُؤسس دولة، وتُرسّخ قيمها، وتُغيّر مسار التاريخ خلال 23 عامًا فقط؟
إن تجاهل عامل الزمن هنا ليس فضيلة، بل هروب من التقييم.
وفي التاريخ الحديث، استطاع عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إحياء الدولة السعودية خلال ما يقارب ثلاثة عقود، وأقام كيانًا سياسيًا مركزيًا ما زال قائمًا منذ نحو قرن، ويتوارث أبناؤه الحكم حتى اليوم.
لكن السؤال الأعمق عندي ليس سياسيًا فقط، بل دعويًا ودينيًا:
لو كانت لدينا آلة قياس دقيقة، فكم عدد شباب المسلمين الذين تدينوا وتأثروا بجهود الإخوان المسلمين، مقارنةً بمن تأثروا بمواعظ الشيخ محمد متولي الشعراوي، أو بكتابات الدكتور مصطفى محمود، أو حتى بفيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد؟
هذا السؤال لا يُراد به الطعن في النيات، بل قياس الأثر الحقيقي.
وأقول للقارئ الكريم بصراحة:
لقد اقترحت قبل عدة سنوات على الجماعة أن تنظر بجدية في حلّ نفسها. فالإخوان المسلمون ليسوا من شعائر الدين ولا من أركانه، وإنما هم اجتهاد تنظيمي وسياسي بشري. والاجتهاد — حين يفشل على أرض الواقع — لا يُقدّس، بل يُراجع أو يُنهى.
وما شهدته الأمة خلال السنوات الأخيرة قدّم أدلة إضافية على أن الجماعة أصبحت عبئًا أكثر منها رصيدًا.
في سوريا اليوم، لا تستطيع الجماعة الظهور العلني أو افتتاح مقرات، لأن وجودها سيكون عبئًا على الدولة السورية الجديدة.
وفي اليمن، لا يستطيع الإخوان المجاهرة بهويتهم التنظيمية، ولو تدخلوا في التعقيدات الإقليمية الجارية بين السعودية والإمارات في هذه المرحلة، لأضعفوا الموقف السعودي بشكل جدي.
والأمر لا يقتصر على هذين المثالين؛ ففي أكثر من بلد عربي، تحوّلت الجماعة — بحكم تاريخها وصراعاتها — إلى عبء على الحراك الديمقراطي نفسه، إذ بات حضورها يُستخدم ذريعةً جاهزة لتبرير استمرار الحكم الفردي المستبد، وتعليق أي مسار إصلاحي بحجة “الخطر الإخواني”.
ولم يتوقف هذا الأثر عند حدود العالم العربي، بل امتد إلى الغرب، حيث أصبحت الجماعة — في غير بلد — عبئًا على حقوق المسلمين أنفسهم، إذ استُخدم وجودها وخطابها التنظيمي مبررًا لتشديد الرقابة، وتوسيع الشكوك، وربط الإسلام كدين بصراعات سياسية لا تعكس واقع عموم المسلمين.
ويمكن ضرب أمثلة أخرى من دول عربية مختلفة، لكن الإكثار من الأمثلة لا يخدم الفكرة بقدر ما يفتح أبوابًا جانبية للغضب والخصومة، وأنا هنا معنيّ بتقييم التجربة لا بتوسيع دوائر الصدام.
الإخوان المسلمون ليسوا دين الإسلام.
إنهم تنظيم سياسي ديني، خاض معارك كثيرة في بلدان كثيرة، لكن النتائج على الأرض — بميزان العدل والإنصاف — لا تشهد له، بل عليه.
وأعتقد أن الأوان قد حان لأن يتخذ قادة الجماعة قرارًا شجاعًا بتسريح أعضائهم، لا باعتباره تراجعًا سياسيًا، بل مراجعة أخلاقية وإنسانية قبل أي شيء آخر.
وسيكون هذا القرار — إن اتُّخذ — خدمة إنسانية لأعضاء الجماعة أنفسهم، قبل أن يكون موقفًا سياسيًا أو تنظيميًا. فقد قال لي المؤرخ السوري الدكتور محمود السيد الدغيم ذات مرة في إسطنبول:
«ألا ترى كيف تحوّل تنظيم الإخوان إلى أداة لتجميع بعض أفضل شباب أوطانهم، ثم تسليمهم لمقاصل الحكومات المستبدة، ليقضي كثير منهم بقية أعمارهم بين سجين وشريد؟»
هذا السؤال، بصراحته القاسية، لا يستهدف النيات، بل يضع الإصبع على كلفة الاستمرار في تنظيم لم يعد قادرًا على حماية أفراده، ولا على تحقيق غاياته، ولا على تقديم نموذج يُحتذى.
إن تحرير الأعضاء من قيود التنظيم اليوم قد يكون أقل القرارات كلفة، وأكثرها عدلًا، في لحظة تاريخية تتطلب شجاعة.

زر الذهاب إلى الأعلى