الأعمدة

■ ترحيل اللاجئين السودانيين من مصر:حين تتحوّل الحماية إلى مطاردة

✍️ د. سيف الدين الأغبش
ما يحدث اليوم للاجئين السودانيين في مصر لا يمكن تبريره بمصطلحات ناعمة من قبيل «تنظيم الوجود» أو «إجراءات سيادية».ما يجري، ببساطة ومن دون مواربة، هو مطاردة جماعية لأشخاص هاربين من الحرب، تحت غطاء أمني، وفي تجاهل واضح لأبسط قواعد القانون الدولي.القبض على سودانيين من الشوارع وأماكن العمل، واحتجازهم دون أوامر قضائية، ثم ترحيل بعضهم قسرًا دون فحص فردي لحالاتهم أو إتاحة حق طلب اللجوء، ليس سلوك دولة تحترم التزاماتها الدولية، بل ممارسة أقرب إلى العقاب الجماعي.اللاجئ ليس متسللًا، ولا عبئًا أمنيًا.هو إنسان فقد وطنه، وليس مطلوبًا منه أن يفقد كرامته أيضًا.الخطاب الأخطر من الممارسةالأخطر من هذه الممارسات هو الخطاب الذي يبررها.عبارات مثل «غوروا على بلدكم» لا تندرج تحت حرية الرأي، بل تقع في خانة التحريض والإقصاء، وهي اللغة ذاتها التي سبقت تاريخيًا أسوأ الانتهاكات بحق اللاجئين في العالم.وفي الوقت الذي يُسوَّق فيه خطاب «الأشقاء والضيوف»، يُمارَس على الأرض:تضييق متعمدمنع من العملتحويل اللاجئ إلى ملف أمنيفقط لأنه سوداني.لنكن صريحين: من استفاد من وجود اللاجئين؟مصر ليست مُلزَمة أخلاقيًا أو قانونيًا باستضافة اللاجئين مجانًا أو قسرًا.لكن الحقيقة أن مصر اختارت استقبالهم، واستفادت من وجودهم اقتصاديًا وسياسيًا.اللاجئون السودانيون ضخّوا مليارات الجنيهات في السوق المصري عبر:الإيجاراتالاستهلاك اليوميالتعليمالعلاجوبالتوازي، جلب ملف اللاجئين لمصر دعمًا دوليًا مباشرًا وغير مباشر، شمل منحًا، قروضًا، وبرامج شراكة مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تحت عنوان «إدارة الهجرة».هذا ليس اتهامًا، بل واقع موثّق.السؤال المسكوت عنهالسؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عليه هو:كيف تستفيد دولة من اللاجئين حين يحتاجهم الاقتصاد، ثم تُجرِّم وجودهم حين يشتد الضغط الداخلي؟أما تحميل السودانيين مسؤولية غلاء المعيشة أو أزمة العملة، فهو خطاب هروب لا تحليل.الأزمات الاقتصادية في مصر لها أسباب معروفة، وسياسات معروفة، وفاعلون معروفون،واللاجئ الفار من الحرب ليس واحدًا منهم.المطلوب اليوم: وضوح لا ازدواجيةالوضوح اليوم واجب لا خيار:إما أن تلتزم الدولة المصرية صراحة باتفاقية اللاجئين، وتوقف الاعتقالات والترحيل التعسفي.أو أن تعلن، بوضوح وشجاعة سياسية، خروجها من هذه الاتفاقية.عندها فقط يكون من حق اللاجئين البحث عن ملاذ آخر، بدل العيش في دائرة الخوف والتهديد والترحيل في أي لحظة.كلمة أخيرةالقضية ليست كراهية لمصر، ولا عداءً لشعبها،بل رفضٌ لتحويل الضعفاء إلى أوراق ضغط،ورفضٌ لاستخدام الأمن بديلًا عن القانون.التاريخ لا يرحم الدول التي تتخلى عن إنسانيتها حين ترتفع الكلفة السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى