
مبارك محمد نور
ما يتعرّض له السودانيون المقيمون واللاجئون في القاهرة والإسكندرية لم يعد أخبارًا متفرقة ولا “تجاوزات فردية” يمكن تبريرها أو إنكارها. نحن أمام نمطٍ ممنهج من الملاحقات والاعتقالات العشوائية، بلغ حدّ القبض على طلاب مدارس، حشرهم في شاحنات، واحتجازهم في ظروف مهينة، ثم فتح باب “الإفراج” مقابل مبالغ مالية فادحة. هكذا، وبلا مواربة، تحوّل الإنسان الهارب من الحرب إلى مادة ابتزاز.
هذه ليست مسألة أمنية، لأن الأمن لا يُدار باصطياد الأطفال، ولا بترويع العائلات، ولا بتجريد البشر من كرامتهم. ما يحدث هو تعبير صريح عن عقلية دولة بوليسية ترى في الضعيف فرصة، وفي الغريب هدفًا، وفي القانون ترفًا يمكن تعليقه متى شاءت. الحرب في السودان دفعت بمئات الآلاف لعبور الحدود بحثًا عن ملاذ، لكن الملاذ تحوّل إلى فخ، والنجاة إلى معاناة مضاعفة.
الأكثر إيلامًا أن هذه الحملات تُنفَّذ في ظل أزمة اقتصادية خانقة، حيث يصبح اللاجئ شماعة جاهزة لتعليق فشل السياسات، وكبش فداء يخفف الضغط عن السلطة. حين يضيق العيش، تُستحضر لغة “العبء” و”الضغط على الخدمات”، ويُنسى عمدًا أن هؤلاء بشر فقدوا بيوتهم، وأقاربهم، وأحلامهم، ولم يعبروا الحدود طلبًا لامتياز، بل هربًا من الموت.
أما الفساد، فهو الوجه الأكثر قبحًا في هذه القصة. الإفراج مقابل المال لم يعد استثناءً، بل صار جزءًا من المعادلة اليومية. من يملك يدفع، ومن لا يملك يُرحَّل أو يُترك لمصيره. هنا تسقط آخر أوراق التوت: لا سيادة قانون، ولا معايير، بل سوق سوداء تُدار تحت لافتة الأمن، ويُدار فيها البشر كسلعة.
ولا يمكن، أخلاقيًا ولا سياسيًا، فصل ما يتعرّض له السودانيون في مصر عن الدور المباشر للدولة المصرية في صناعة الظروف التي دفعتهم أصلًا إلى النزوح. فمصر ليست طرفًا محايدًا في الحرب السودانية، بل كانت ولا تزال داعمًا رئيسيًا لجيش الكيزان، سياسيًا وأمنيًا، وهو دعمٌ واضح الأثر في إشعال الحرب وإطالة أمدها. هذه الحرب نفسها هي التي شرّدت الملايين، ودفعت بالسودانيين لعبور الحدود هربًا من الجحيم، ليجدوا أنفسهم لاحقًا تحت قبضة الدولة التي ساهمت في إشعال ذلك الجحيم.
ويزداد هذا التناقض فداحة حين نتذكّر أن مصر تحتل مثلث حلايب، وتنهب موارد سودانية بالتواطؤ مع سلطة الكيزان، وقد وقّعت معهم تعاقدات تتعلق بما سُمّي زورًا “إعمار السودان”،



