
محمد عبد الله برقاوي
في احدى الأمسيات الخريفية من العام 1968 وكنت حينها في السنة الثانية بالمدرسة الوسطى ..و درجت على الحضور إلى الخرطوم من الجزيرة اثناء الإجازة الطويلة التي تمتد لثلاثة أشهر لاقضيها مع اهلي بأم درمان حيث مسقط رأس جدتي لوالدي في ديم الفتيحاب و من ثم اغتنمها فرصة لاشباع شغفي في التسكع بين الحيشان الثلاثة الإذاعة و التلفزيون والمسرح عسى أن أجد في أحداها موطئا لقدم ولع موهبتي الفطيرة التي كانت مشتتة بين الغناء و الشعر الضعيف بنية ومضمونا و التمثيل الذي كنت أظنه في شي من التبسيط أن تفعل شيئا مما يسمي بالعولاق..
مع الاعتذار لقبيلة الدراما المحترمة..
ومن ثم كنت أظن أن ذلك كافيا لأضحك الناس .
المهم في أحد الأيام لملمت كل تلك الاوهام و دلفت إلى مبنى التلفزيون على خلفية اعلان بطلب ممثلين من الجنسين و كل الأعمار للإلتحاق بقسم الدراما كمتعاونين .
وكتبت نصا تمثيليا في شكل زجلي ساذج .
هناك في المكتب المختص وجدت الاستاذ الراحل متوكل كمال رئيس القسم وفي معينه الفنان الراحل محمود سراج ابوقبورة ..الذي قرأ النص وأبدى ملاحظته وهي ان ما كتبته لا يصلح كعمل تمثيلي ولكنه اقرب إلى السجع الشعري وأشار علي بالذهاب إلى شاب انيق كان يجلس في سكينة وراء دخان سيجارته الممزوج بعطره الأخاذ وهو متكئ على مكتبه تحت الإضاءة الخافتة الرومانسية.
فعرفت أنه الشاعر اسحق الحلنقي الذي حياني بكل أدب جم وابتسامة مشجعة وقرأ النص ثم اتجه الى ابو قبورة قائلا ..والله يامحمود هذا الولد ممكن يكون شاعر لو طور موهبته بالإطلاع و تثقيف نفسه بقواعد الشعر وفنونه .
ومن يومها داخلني الوهم بانني قد أجزت من موظف قسم الدراما وقتها الاستاذ الشاعر اسحق الحلنقي الذي جعلني انصرف عن فكرة الغناء والتمثيل دون أن يقول ذلك بلسانه.
و تشاء ارادة المولى ومحاسن الصدف أن التقي باسحق بعد عشر سنوات في الامارات للسير خلفه كأستاذ وموجه صادق لكل موهبة وليس لي وحدي.
وظل صديقا شخصي لي وجار على مدى ربع قرن من رفقة الغربة حيث توسعت صلاتنا الأدبية والشعرية والفنية انطلاقا من عين الخليج الشهلاء اندياحا إلى كل منتديات الدولة المنتشرة وتكونت بنا ورش انتجنت الكثير من الأعمال الغنائية وكانت تضم لفيف من المبدعين على مختلف ضروب الفنون المقيمين هناك..أو الذين يزورون الامارات على مدى عقود.
كما أنها افرزت..
الكثير من المواهب الواعدة شعرا وغناءا وغيرهما ..
واسال الله إن أمد في الأيام أن أكتب عنهم كلهم في سوانح أخرى .
ويالها من ..
ذكريات لم تزل ..
في مآقينا وفينا .
قد تتادت وتنامت..
أيقظت حبا دفينا .
داعبت حسي رؤاها .
عزفت لحنا حنونا .
يشعل الاشواق طورا..
ويثير الدفء حينا .
انما الذكرى عبير ..
حين تغشى الساهرينا..
وربيع فيه سحر ..
ياسر الصب الحزينا..
يا جنان الطهر هاتي .
من اريجك فاسرينا..
أنثري الشعر ورودا ..
في الاماسي انفحينا..
اسكبي اللحن عذوبا..
يبعث الطرب الرزينا .
وابعثي فينا سنينا..
من صفاها كم سقينا..
كم سقيناها صفاءا..
من كؤوس العاشقينا..
تاريخ الصورة مع الاستاذ الحلنقي 1983
محمد عبد الله برقاوي
3/2/2026 الثلاثاء
الخرطوم ..سوبا غرب
مع عاطر. التحيات..



