الأعمدة

مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران – بين ضغط القوة ومناورة الدبلوماسية*

أولاً: خلفية المشهد التفاوضي
تأتي جولة المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لعام 2015 في عهد الرئيس ترامب، ثم العودة إلى محاولات إحيائه في عهد الرئيس بايدن، ظل الملف النووي الإيراني محوراً لتقاطع المصالح والتوترات بين القوى الكبرى والإقليمية. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تبنّت الإدارة الأمريكية نهجاً أكثر تشدداً تجاه طهران، معزَّزاً بخطاب القوة والردع البحري في الخليج العربي.
في هذا السياق، جاءت مفاوضات مسقط – التي استضافتها سلطنة عمان كوسيط تقليدي بين الطرفين – محاولة جديدة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وطهران، بعد أشهر من التصعيد المتبادل في مضيق هرمز والعراق وسوريا ولبنان. وقد وصفها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنها “جيدة”، بينما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنها “جيدة للغاية”، مضيفاً أن “إيران ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق”. هذا التباين في اللغة يعكس اختلافاً في الرؤية السياسية والإعلامية لكل طرف، وإن كان يشير إلى تقاطع مصلحي مؤقت.

ثانياً: قراءة في المواقف الأمريكية والإيرانية
1. الموقف الأمريكي: سياسة العصا والجزرة
تسعى إدارة ترامب إلى إعادة فرض معادلة الردع العسكري والاقتصادي على إيران، مستفيدة من حشد الأسطول الأمريكي الخامس في الخليج، ومن دعم حلفائها الإقليميين، خصوصاً إسرائيل والسعودية والإمارات. ويبدو أن واشنطن أرادت من هذه الجولة اختبار مدى استعداد طهران لتقديم تنازلات ملموسة في ملف تخصيب اليورانيوم، وتوسيع نطاق التفتيش الدولي، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات.
تصريحات ترامب عقب المفاوضات بأن “إيران ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق” تعكس قناعة الإدارة بأن سياسة الضغط القصوى بدأت تؤتي ثمارها، وأن طهران باتت أكثر ميلاً للتفاهم لتجنب مزيد من العزلة الاقتصادية والسياسية. هذا النهج يعيد إلى الأذهان سياسة “الضغط الأقصى” التي اتبعتها واشنطن بين عامي 2018 و2020، لكن مع تعديل تكتيكي يقوم على الجمع بين الردع العسكري والانفتاح الدبلوماسي المحدود.
2. الموقف الإيراني: المناورة تحت الضغط
من جانبها، تحاول طهران تصوير نتائج مسقط كنجاح دبلوماسي في تجنب الخيار العسكري، وإثبات قدرتها على الصمود والمساومة رغم العقوبات. تصريحات عراقجي بأن المفاوضات كانت “جيدة” تعكس رغبة في الحفاظ على توازن الخطاب الداخلي، بحيث لا يُفهم أن إيران قدّمت تنازلات تحت التهديد.
القيادة الإيرانية، بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل ستكون مكلفة داخلياً وإقليمياً، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتراجع قيمة الريال الإيراني. لذلك، تميل طهران إلى خيار “التهدئة التكتيكية” دون المساس بجوهر برنامجها النووي، مع محاولة كسب الوقت لتعزيز قدراتها التقنية والعسكرية.

ثالثاً: البعد الإقليمي والدولي
1. مخاوف الحلفاء الإقليميين
تتابع دول الخليج وإسرائيل هذه التطورات بقلق بالغ. فبينما ترى إسرائيل أن أي اتفاق جديد قد يمنح إيران متنفساً اقتصادياً يمكن أن يُستخدم في دعم حلفائها الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين، تخشى دول الخليج من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى زعزعة استقرار المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية.
تقديرات مراكز الأبحاث الأمريكية، مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (تقرير يناير 2026)، تشير إلى أن حلفاء واشنطن في المنطقة يفضلون “اتفاقاً مضبوطاً” يقيّد البرنامج النووي الإيراني دون أن يمنح طهران حرية مالية أو سياسية واسعة. في المقابل، ترى طهران أن أي اتفاق يجب أن يضمن رفعاً تدريجياً للعقوبات وتخفيفاً للضغوط الاقتصادية.
2. الموقف الأوروبي والآسيوي
رحبت العواصم الأوروبية – خصوصاً باريس وبرلين ولندن – بنتائج مسقط الأولية، معتبرة أنها “خطوة إيجابية نحو استقرار الخليج”. أما الصين وروسيا، فترى في أي تقارب أمريكي–إيراني فرصة لتخفيف التوترات التي تعيق مشاريع الطاقة والنقل في المنطقة، مثل مبادرة “الحزام والطريق”. ومع ذلك، تبقى موسكو حذرة من أي اتفاق قد يعيد واشنطن إلى التأثير المباشر في الملف النووي الإيراني، الذي استخدمته روسيا كورقة تفاوضية في صراعها مع الغرب.

رابعاً: تحليل استراتيجي للنتائج الأولية
1. المكاسب الأمريكية
إعادة فرض الردع: أظهرت واشنطن قدرتها على استخدام القوة البحرية كأداة ضغط فعالة دون الانزلاق إلى الحرب.
تحسين صورة القيادة: تصريحات ترامب تعزز روايته الانتخابية بأنه “الرئيس الذي يجبر إيران على التفاوض دون تنازلات أمريكية”.
تثبيت التحالفات الإقليمية: المفاوضات جاءت بعد جولة لوزير الخارجية الأمريكي في الخليج، ما أعاد الثقة لحلفاء واشنطن بأن الولايات المتحدة ما زالت الضامن الأمني الأول في المنطقة.
2. المكاسب الإيرانية
تجنب المواجهة العسكرية: تمكنت طهران من تفادي ضربة محتملة، مع الحفاظ على برنامجها النووي في حدوده التقنية الحالية.
كسب الوقت: استمرار المفاوضات يمنحها فرصة لتطوير قدراتها التكنولوجية والعسكرية بعيداً عن التصعيد.
تحسين الوضع الداخلي: الخطاب الرسمي الإيراني يوظف نتائج مسقط لتخفيف الضغط الشعبي الناتج عن الأزمة الاقتصادية.
3. التحديات المشتركة
غياب الثقة المتبادلة: لا تزال واشنطن تشكك في نوايا إيران، بينما ترى طهران أن الولايات المتحدة غير ملتزمة بتعهداتها السابقة.
الملفات الإقليمية الشائكة: النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن ولبنان يبقى عقبة أمام أي اتفاق شامل.
الاعتبارات الانتخابية: كل طرف يستخدم المفاوضات لتعزيز موقعه الداخلي، ما يجعل التنازلات الحقيقية مؤجلة.

خامساً: السيناريوهات المحتملة
اتفاق مرحلي محدود (السيناريو المرجح بنسبة 60%)
يتم التوصل إلى تفاهم مؤقت يشمل تجميد بعض أنشطة التخصيب مقابل تخفيف جزئي للعقوبات النفطية، مع استمرار المفاوضات حول اتفاق شامل لاحقاً.
تصعيد محسوب (30%)
في حال فشل المفاوضات، قد تلجأ واشنطن إلى تشديد العقوبات أو تنفيذ ضربات محدودة ضد منشآت إيرانية، مع تجنب الحرب الشاملة.
انفراج شامل (10%)
احتمال ضعيف لكنه قائم، يتمثل في اتفاق شامل يعيد إيران إلى الالتزام الكامل بالاتفاق النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات، برعاية أوروبية وصينية.

سادساً: الخلاصة والتقدير العام
تشير نتائج مفاوضات مسقط إلى أن الطرفين الأمريكي والإيراني يسعيان إلى تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مع الحفاظ على أدوات الضغط والمناورة. واشنطن تعتبر أن سياسة الردع أثمرت، بينما ترى طهران أنها نجحت في فرض الحوار كبديل للحرب. ومع ذلك، فإن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال طويلاً ومعقداً، تحكمه حسابات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.
يبقى العامل الحاسم هو مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة تضمن الأمن الإقليمي وتمنع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط. وفي ظل استمرار التوترات في البحر الأحمر والعراق ولبنان، فإن أي إخفاق في مسار مسقط قد يعيد المنطقة إلى حافة الانفجار.
المراجع والمصادر
The Washington Institute for Near East Policy, Iran’s Nuclear Calculus in 2026: Between Pressure and Pragmatism, January 2026.
International Crisis Group, Iran-U.S. Tensions: The Gulf at a Crossroads, February 2026.
Carnegie Endowment for International Peace, The Future of the JCPOA and Regional Stability, December 2025.
Brookings Institution, Trump’s Return and the New U.S. Strategy Toward Iran, January 2026.
Al Jazeera English, Oman Hosts Indirect U.S.-Iran Talks Amid Gulf Tensions, 7 February 2026.
Reuters, Trump Says Iran ‘Wants a Deal Badly’ After Oman Talks, 7 February 2026.
IRNA (Islamic Republic News Agency), Araghchi: Muscat Talks Were Good and Constructive, 7 February 2026.
The Washington Post, U.S. and Iran Edge Closer to Limited Understanding in Oman, 7 February 2026.
Chatham House, Regional Reactions to Renewed U.S.-Iran Negotiations, February 2026.
Atlantic Council, The Gulf Security Equation in 2026: Risks and Opportunities, January 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى