الأعمدة

من لعبة الحي إلى العوالم الافتراضية: كيف أعادت الألعاب الرقمية تشكيل تنشئة الطفل وتطبيع العنف؟

بقلم : د. ناهد رواس

اذا اردنا الانطلاق من مقارنة اجتماعية بين ألعاب الأطفال في السابق والألعاب الرقمية المعاصرة، نرى بانه لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن تطوّر الوسائط أو التقنيات، لأن التغيير الفعلي يكمن هو وظيفة اللعب داخل عملية التنشئة الاجتماعية.سابقاً، كان اللعب امتدادًا مباشرًا للمجتمع، سواء أكان لعبًا تقليديًا في الحي والمدرسة، أم ألعابًا إلكترونية محدودة الانتشار والمحتوى، فالطفل كان يلعب داخل فضاء اجتماعي مباشر مرئي حيث كانت مراقبة الأهل عملية سهلة، محكومة بقواعد واضحة ومضبوطة، حيث كان الفوز والخسارة جزءًا من تجربة تعلم القيم، لا من إعادة تعريفها.

كثيرا من الأحيان احتوت بعض الألعاب القديمة على صراع أو منافسة، ولكن هذا الصراع كان محكومًا بسياق رمزي بسيط، لا يسمح بتراكم العنف ولا بتحويله إلى نمط ذهني دائم. العنف لم يكن هدفًا في ذاته، بل عنصرًا عابرًا داخل لعبة تنتهي بانتهاء وقتها، ويبقى الواقع هو المرجعية النهائية للطفل، بقيمه، وحدوده، ومسؤولياته. لذلك، ظل اللعب آنذاك أداة تكميلية في التنشئة الاجتماعية، لا بديلًا عنها، ولم يكن قادرًا على بناء هوية مستقلة عن المجتمع أو مناقضة له.

أما اليوم، فنحن أمام تحوّل جذري في طبيعة الألعاب، خصوصًا المنصّات المفتوحة مثل Roblox، التي لم تعد تُمارَس بوصفها نشاطًا ترفيهيًا محدودًا، بل كعالم اجتماعي متفلت من الضوابط والرقابة يعيش الطفل داخله لفترات طويلة. هنا، لا يكتفي الطفل باللعب، بل يُعيد تشكيل ذاته، ويختبر القوة، والانتصار، والإقصاء، من خلال أفعال يُكافأ عليها رقميًا وبشكل وهمي من دون أي رابط أخلاقي أو اجتماعي واضح. ومع هذا التحوّل، ينتقل العنف من كونه سلوكًا مرفوضًا في الواقع، إلى ممارسة طبيعية داخل فضاء افتراضي مفتوح يُقدَّم بوصفه آمنًا وغير مؤذٍ.

اذا الخطورة الاجتماعية في ألعاب اليوم لا تكمن في مشاهد العنف، بل في تطبيع هذا العنف في عقول بريئة لا تميز المعنى ولا المضمون ودون معرفة النتائج. فالقتل داخل اللعبة لا يُنتج شعورًا بالذنب، والإقصاء لا يثير تساؤلًا أخلاقيًا، والهيمنة تُكافأ بوصفها نجاحًا. ومع التكرار، يتآكل الحسّ النقدي لدى الطفل، ويُعاد تعريف المقبول والمرفوض في وعيه، في ظل غياب النضج النفسي والقدرة على الفصل بين الرمزي والواقعي.

وعليه ، نرى في هذا السياق، ان دور الأسرة يتراجع كما المجتمع كمصدر أساسي للمعايير، لتحلّ محلّهما جماعات افتراضية رقمية مجهولة الهوية، تفرض قيمها الخاصة، وتمنح الطفل إحساسًا بالانتماء المشروط بالقوة أو التفوق أو العنف. وهكذا، لا يعود اللعب مساحة تفريغ أو تسلية، بل يتحوّل إلى أداة إعادة تنشئة اجتماعية، تُنتج هوية رقمية بديلة وهمية بعيدة كل البعد عن الواقع الإنساني، وأكثر قابلية لتقبّل العنف بوصفه خيارًا سلوكيًا ممكنًا.

من هنا، تكشف المقارنة الاجتماعية بوضوح أن ألعاب الأمس كانت تُدرّب الطفل على العيش داخل المجتمع، وتقربه من اخوته اولا ومن ثم من محيطه ثانيا، بينما تُدرّبه ألعاب اليوم على التكيّف مع عالم بلا حدود واضحة ولا محاسبة رمزية. هذا التحوّل لا يُهدد الفرد وحده، بل يُنذر بتغيّرات أعمق في البنية القيمية للمجتمع، حيث يصبح العنف الصامت، الناعم، والمُطبَّع، جزءًا من الوعي الجمعي الناشئ، لا استثناءً طارئًا

زر الذهاب إلى الأعلى