
بقلم .. دكتور كمال محمد الامين
لعمري، إن التاريخ ليعيد نفسه، لا لأن الزمان يدور في حلقة مفرغة، بل لأن الطغاة – على اختلاف عصورهم وأمصارهم – يُصابون بذات الداء: داء الغرور الذي يُعمي البصيرة، ويُصم الأذن عن صوت العقل، ويُقسّي القلب على نداء الحكمة.
وها هو ذا الكاهن الذي كان يفعل الأفاعيل في دارفور وسمي نفسه ( …الفور ) ثم تنكّر لها كما تنكّر لكل قيمة ومبدأ، يخرج علينا بتصريحاته المتهافتة، يُقرر من يدخل السودان ومن يُمنع، وكأن البلاد ضيعة موروثة، أو إقطاعية يتصرف فيها كيف يشاء. ولست أدري أيُّ منطق هذا الذي يجعل رجلاً واحداً يتحكم في مصائر الملايين، ويُصادر حق شعب بأكمله في اختيار من يمثله ومن يقوده!
في سنن التاريخ وعبره
إن الناظر في تاريخ الأمم ليجد أن الطغاة – مهما علا شأنهم وطال أمدهم – ينتهون إلى مصير واحد: الخذلان والخزي والنسيان، أو ما هو أمرّ من ذلك.
فأما موسوليني، ذلك الذي ملأ إيطاليا صراخاً وعنجهية، وادّعى أنه باعث أمجاد روما القديمة، فقد انتهى معلقاً من قدميه في ميدان عام، يبصق عليه من كان يُصفق له بالأمس، ويلعنه من كان يهتف باسمه. وأي درس أبلغ من هذا لمن كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد!
وأما تشاوشيسكو، طاغية رومانيا الذي حكم بالحديد والنار ثلاثة عقود، فقد ظن أن الشعب سيبقى خاضعاً أبد الدهر، حتى إذا ثار عليه الناس، لم يجد من يحميه، بل حوكم هو وزوجته محاكمة صورية وأُعدما رمياً بالرصاص في يوم من أيام الشتاء القارس، كأنما كانا مجرمين عاديين لا حكاماً متجبرين.
وأما القذافي، الذي ملأ الدنيا ضجيجاً بخطبه الرعناء ونظرياته الفارغة، فقد اختبأ في مجرى للصرف الصحي – يا للمفارقة المرّة! – ثم سُحب منه ليُقتل على أيدي من كان يدّعي أنه أبوهم وقائدهم إلى الأبد.
في طبيعة الاستبداد وأوهامه
إن المستبد – وهذه سنّة لا تتخلف – يظن أن قوته الغاشمة ستحميه، وأن قدرته على القمع ستُديم سلطانه، ولكنه ينسى أو يتناسى أن الشعوب – مهما طال صبرها – لها حدٌّ تنقلب عنده من الخنوع إلى الثورة، ومن الخوف إلى الجرأة.
والعجيب في أمر هؤلاء الطغاة أنهم يبدأون بادعاء الوطنية والحرص على مصلحة الشعب، ثم ما يلبثون أن ينكشف زيفهم، فإذا بهم يمنعون المواطنين من العودة إلى بلادهم، ويُصادرون الحريات، ويُحوّلون الوطن إلى سجن كبير، بل إلى محرقة – تلتهم الأخضر واليابس.
في التناقض والتهافت
وأما تناقض تصريحات هذا الكاهن المزعوم، فتلك علامة من علامات الفكر المضطرب والنفس القلقة. فالطاغية – لأنه لا يملك مشروعاً حقيقياً ولا رؤية واضحة – يتخبط في تصريحاته كما يتخبط السكران في مشيته، يقول اليوم ما يناقضه غداً، ويُصرّح بالشيء ونقيضه في اليوم الواحد، لأنه لا يَصدُر عن مبدأ ثابت ولا يهتدي بهدف نبيل.
ختاما :
وإني لعلى يقين – وليس هذا من قبيل التفاؤل الساذج – أن مصير هذا الطاغية لن يختلف عن مصير من سبقوه. فالتاريخ لا يرحم المستبدين، والشعوب – مهما طال كبتها – تنتفض في النهاية، والظلم – مهما استشرى – لا يدوم.
إن السودان الذي أنجب المهدي وعبود والأزهري وغيرهم من الرجال العظام، لن يُترك نهباً لكاهن مزيّف يقوده إلى الهاوية. وإن الشعب السوداني الأبيّ، الذي أسقط طغاة من قبل، قادرٌ – بإذن الله – على أن يستعيد حريته وكرامته، مهما طال الليل واشتدّ الظلام.
فلنصبر صبر الواثقين، ولنعمل عمل المجدّين، ولنتذكر دائماً أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً، وأن الباطل – مهما انتفش – كان زهوقاً، وأن الحق – مهما استُضعف – لَغالب بإذن الله.
والسودان – رغم كل شيء – سيعود، ولن يكون هذا آخر ما نجوه.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”
تحياتي



