
في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الجامعات حصوناً للعلم والمعرفة، تحولت بوابات جامعة عين شمس إلى نقطة احتجاز لعشرات الطلاب السودانيين النظاميين، الذين يحملون بطاقات جامعية رسمية، وجوازات سفر سارية، وإقامات قانونية، ودخلوا مصر عبر تأشيرات طلابية مستوفية للموافقات الأمنية، واقعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يثير قلقاً متزايداً حول أولويات تطبيق القانون، ومعايير العدالة، ومعنى الأمن ذاته.
ما جرى لا يمثل فقط إخلالاً بالاستقرار الأكاديمي، بل مساساً مباشراً بحق أصيل من حقوق الإنسان: الحق في التعليم، وفقاً للمادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تعد مصر طرفاً فيه، تلتزم الدول بضمان الحق في التعليم دون تمييز، وباتخاذ التدابير اللازمة لتمكين كل شخص من مواصلة تعليمه في بيئة آمنة، كما تنص المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن التعليم حق لكل فرد، وأنه يجب أن يُوجه نحو تنمية الشخصية الإنسانية وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وعلى الصعيد الوطني، يكفل الدستور المصري في مادته (19) الحق في التعليم، ويلزم الدولة بحمايته وضمان استمراريته، بينما تؤكد المبادئ العامة لسيادة القانون أن أي إجراء يمس الحرية الشخصية أو الحقوق الأساسية يجب أن يكون مستنداً إلى سبب قانوني واضح، ومتناسباً مع الهدف منه، وخاضعاً، للرقابة والمساءلة.
المفارقة الصادمة التي فجرت الغضب في الأوساط الطلابية والحقوقية، أن هذه الإجراءات الصارمة طُبقت بحق طلاب نظاميين لم تسجّل ضدهم أي مخالفات، في وقت تشير فيه الوقائع اليومية إلى وجود مجرمين حقيقيين يهددون السلم الاجتماعي، وينخرطون في أنشطة غير قانونية، دون أن تطالهم المساءلة بالقدر نفسه من الحزم، هنا يتحول السؤال من ما الذي حدث؟ إلى على من يطبق القانون؟ ولماذا؟.
إن استهداف الطلاب، وهم الفئة الأضعف والأكثر التزاماً بالقانون، لا يعزز الأمن، بل يخلخل الثقة في عدالة تطبيقه، الأمن الحقيقي لا يبنى على توقيف من يحمل كتابه متجهاً إلى قاعة الامتحان، بل على مواجهة مصادر الجريمة الفعلية، وتجفيف أسبابها، وحماية الفضاءات التعليمية من التحول إلى ساحات خوف وارتياب.
الأثر لا يقف عند حدود الاحتجاز المؤقت، طلاب حرموا من دخول امتحانات، آخرون مهددون بضياع عام دراسي كامل، ومستقبل أكاديمي يتآكل تحت ضغط الخوف وعدم اليقين، هذه نتائج لا يمكن تداركها ببيانات عامة أو تبريرات لاحقة، لأنها تمس جوهر الحق في الحياة الكريمة.
إن تحويل ملف الطلاب السودانيين النظاميين إلى قضية أمنية عامة، دون سند قانوني مُعلن أو شفافية مؤسسية، يُعد إخلالاً بالتزامات قانونية دولية، وتراجعاً خطيراً عن تقاليد تعليمية عُرفت بها مصر تاريخياً كمقصد آمن للعلم وملاذ للطلاب العرب والأفارقة.
هذه القضية لم تعد شأناً طلابياً، بل قضية رأي عام بامتياز، تختبر معنى العدالة، وتطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله كيف يُطلب من الشباب احترام القانون، بينما يُطبّق عليهم بصرامة انتقائية، ويُترك من يهدد السلم الاجتماعي الحقيقي خارج دائرة المساءلة؟
إن صون الأمن لا يتعارض مع حماية الحقوق، بل يقوم عليها، وأي دولة تحمي جامعاتها من الخوف، وتحمي طلابها من التعسف، إنما تحمي مستقبلها قبل أي شيء آخر.



