تقارير

بعثة تقصي الحقائق الأممية: أطراف النزاع تلجأ للاحتجاز والتعذيب والاخفاء للسيطرة على السكان

أفادت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تحديث لها، الثلاثاء، إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف، بأن أطراف النزاع المسلح في السودان تلجأ على نحو متزايد إلى آليات الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري كأدوات للسيطرة على السكان.
وذكر بيان وتحديث صادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، التابعة للأمم المتحدة في جنيف، والذي اطلعت عليه “صحيح السودان”، أن هذه الممارسات ساهمت في تصعيد أزمة حماية المدنيين بالتزامن مع دخول الصراع عامه الرابع.
وأكد رئيس بعثة تقصي الحقائق، محمد شاندي عثمان، الطابع المنهجي لهذه الممارسات، قائلاً: “إن حجم هذه الانتهاكات وخطورتها يؤكدان أن هذه الحوادث ليست حالات معزولة، إنما هي جزء من نمط أوسع من الانتهاكات، وهو نمط يؤكد الحاجة الملحّة إلى المساءلة وإلى اتخاذ إجراءات دولية منسقة لمنع ارتكاب المزيد من الفظائع.”
انتهاكات مستمرة
وأوضح التقرير الأممي أن الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والجرائم المرتبطة بالنزاع التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معهما، مستمرة دون مؤشرات على التراجع، مشيراً إلى أن هذه الأفعال ترقى إلى مستوى “جرائم ضد الإنسانية”.
ووفقاً للبيانات التي وثقتها اللجنة، ينتهج الطرفان أسلوباً ممنهجاً في تنفيذ اعتقالات جماعية بناءً على فرضية الانتماء أو التعاطف السياسي مع الطرف المقابل.
وتتم عمليات الاحتجاز دون مسوغات قانونية أو خضوع للرقابة القضائية، وغالباً ما تجري في ظروف بيئية وصحية قاسية.
وفي السياق، قالت عضوة في البعثة، جوي نجوزي إيزيلو: “فعلياً، أصبح التنقل بالنسبة للمواطنين في حد ذاته فعلاً مُجرَّماً؛ فيتعرض مدنيون بصورة متزايدة للضغوط لإظهار ولائهم، وفي بعض الحالات، الانحياز الفعلي إلى أحد الأطراف المتحاربة، كشرط لضمان سلامتهم وحريتهم وبقائهم الاقتصادي.”
الابتزاز المالي
ورصدت البعثة ممارسات تتعلق بالابتزاز المالي من قبل قوات الدعم السريع، إذ تُطالب عائلات المحتجزين بدفع مبالغ مالية مقابل الإفراج عن ذويهم، وصلت في بعض الحالات الموثقة إلى 25 مليون جنيه سوداني (ما يعادل تقريباً 40 ألف دولار أمريكي).
وتسببت هذه الإجراءات في تعطيل حركة التجارة البينية وعبر الخطوط الأمامية، مما أثر سلباً على الأمن الغذائي في مناطق كالفاشر، والأبيض، والدلنج، وكادوقلي.
كما أعربت البعثة عن قلقها إزاء توقيف استخبارات قوات الدعم السريع لما لا يقل عن 70 شخصاً في مدينة الجنينة خلال شهر مايو الماضي، من بينهم عناصر يتبعون لمنظمات إنسانية، دون الكشف عن مصيرهم أو السماح لعائلاتهم وممثليهم القانونيين بالتواصل معهم.
اختفاء عمال الإغاثة
بدورها، قالت العضوة في البعثة، منى رشماوي: “إن الاختفاء القسري للعاملين في المجال الإنساني يُعد جريمة ويثير مخاوف بالغة الخطورة”. وتابعت: “مثل هذه الأفعال تقوّض العمليات الإنسانية وتزيد من تعريض المدنيين المعتمدين على المساعدات المنقذة للحياة للمخاطر.”
وفي ذات السياق، وثق التقرير استمرار القوات المسلحة السودانية في توقيف وملاحقة قادة مدنيين، ومعارضين سياسيين، ومحامين، وصحفيين، للاشتباه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع، أو بناءً على خلفياتهم القبلية والسياسية السابقة.
وأشارت البعثة إلى رصد عيوب قانونية شابت إجراءات التقاضي، شملت تأخير المثول أمام المحاكم، وتقييد الحق في الاستعانة بمستشارين قانونيين، وانتزاع اعترافات تحت الإكراه.
واستشهد التقرير بحالة محامٍ في منطقة “سنجة” صدر بحقه حكم بالإعدام من قبل المحكمة الجنائية في سنار بتاريخ 5 أكتوبر الماضي، إثر إجراءات غيابية لم يُخطر بها محامو الدفاع، وتزامنت مع توقيف أحد المحامين المكلفين بالدفاع عنه.
وأكدت المؤشرات الميدانية التي جمعتها البعثة أن ظروف الاحتجاز لدى الطرفين لا تتوافق مع المعايير الدولية؛ إذ تواجه مراكز التوقيف مستويات قياسية من التكدس، ونقصاً حاداً في إمدادات الغذاء، والمياه النظيفة، والرعاية الطبية، مما أدى إلى انتشار أوبئة كالكوليرا.
ورصدت الإفادات تعرض محتجزين لسوء المعاملة الجسدية والصعق الكهربائي في مراكز الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المسلحة وفي سجن بورتسودان المركزي. كما أشارت التقارير إلى تدهور الأوضاع في سجن “سوبا” بالخرطوم (سابقاً)، وسجن “نيالا” في جنوب دارفور، الذي يضم آلاف المحتجزين المنقولين من مناطق النزاع المختلفة، وسط غياب الرقابة المستقلة ومنع المنظمات الحقوقية والإنسانية من الوصول إلى المرافق.
توسيع ولاية القضاء
واختتمت البعثة تقريرها بدعوة أطراف النزاع إلى الوقف الفوري للاعتقالات التعسفية، والإفراج عن الموقوفين دون أساس قانوني، والسماح للهيئات المستقلة بزيارة مراكز الاحتجاز، إلى جانب توسيع الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية لتشمل كافة الأراضي السودانية، وعدم الاقتصار على إقليم دارفور.
يُذكر أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنشأ “البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان” في أكتوبر 2023 بموجب القرار رقم (A/HRC/RES/54/2)، وتم تجديد ولايتها لعام إضافي في أكتوبر 2025 بموجب القرار (A/HRC/RES/60/3).
وتتركز المهمة الرئيسية للبعثة في التحقيق في الوقائع المتعلقة بجميع انتهاكات حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، والجرائم المرتبطة بها في سياق النزاع المسلح الذي اندلع في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والأطراف المتحاربة الأخرى، لتحديد الحقائق والظروف والأسباب الجذرية للأزمة.

زر الذهاب إلى الأعلى