الأعمدة

المؤسّسةُ العسكريّةُ بين التعريفِ الدستوريِّ والانحرافِ السياسيِّ: قراءةٌ في التجربةِ السودانيّةِ

✍️محمد الفاتح حضرة
📜 أيُّ جيشٍ وطنيٍّ في العالمِ الحديثِ يقومُ على قاعدةٍ واضحةٍ لا لبسَ فيها
الجيشُ أداةُ الدولةِ التنفيذيّةِ
والدولةُ يحكمُها دستورٌ
والدستورُ يُخضعُ المؤسّسةَ العسكريّةَ للسلطةِ المدنيّةِ المنتخبةِ
في النظمِ الديمقراطيّةِ الراسخةِ، تخضعُ الجيوشُ لوزاراتِ دفاعٍ مدنيّةٍ، وتُراقَبُ ميزانيّاتُها برلمانيّاً، ويُحظَرُ عليها العملُ الحزبيُّ أو التدخّلُ في الصراعِ السياسيِّ
القاعدةُ الذهبيّةُ بسيطةٌ:
الجيشُ يحمي الشرعيّةَ
ولا يحكمُ بدلاً عنها 🤨
حين تنقلبُ المعادلةُ، وتُصبحُ الحكومةُ رهينةَ ميزانِ القوّةِ داخلَ المؤسّسةِ العسكريّةِ، تدخلُ الدولةُ طورَ الاختلالِ، ويتآكلُ مفهومُ السيادةِ الشعبيّةِ
♀️أولاً: الواجبُ الدستوريُّ وامتحانُ الواقعِ
ينصُّ قانونُ القوّاتِ المسلّحةِ السودانيّةِ على حمايةِ البلادِ والدفاعِ عن سيادتِها وصونِ أمنِ المواطنينَ
لكنّ التجربةَ التاريخيّةَ تكشفُ مساراً متعرّجاً
في ملفاتِ السيادةِ الخارجيّةِ ظلّت قضايا مثل حلايبَ وشلاتينَ والفشقةِ تُدارُ سياسيّاً أكثرَ ممّا تُدارُ بعقيدةِ ردعٍ إستراتيجيّةٍ واضحةٍ
وفي الداخلِ، تحوّلت نزاعاتُ دارفورَ وجنوبِ كردفانَ والنيلِ الأزرقِ إلى حروبٍ طويلةٍ، رافقتها اتهاماتٌ بانتهاكاتٍ واسعةٍ ضدّ المدنيّينَ
تجربةُ الاعتمادِ على مليشيّاتٍ محلّيّةٍ ثمّ تقنينِ قوّاتِ الدعمِ السريعِ شكّلت تحوّلاً خطيراً في بنيةِ الدولةِ العسكريّةِ، إذ أضعفت مبدأَ احتكارِ القوّةِ
♀️ثانياً: أسبابُ الضعفِ وفقدانُ الثقةِ الشعبيّةِ
أحدُ أبرزِ أسبابِ ضعفِ المؤسّسةِ العسكريّةِ السودانيّةِ لم يكن نقصَ السلاحِ ولا قلّةَ المواردِ، بل اختلالُ العلاقةِ بينها وبين المجتمعِ
حين تتحوّلُ المؤسّسةُ من جهازٍ يحمي جميعَ المواطنينَ إلى طرفٍ في الاستقطابِ السياسيِّ، فإنّها تفقدُ حيادَها تدريجيّاً
وخلالَ العقودِ الماضيةِ، وُجِّهت انتقاداتٌ واسعةٌ لاستخدامِ الجيشِ وقوّاتِ الأمنِ والشرطةِ في مواجهةِ قوى سياسيّةٍ ومدنيّةٍ معارضةٍ
في السنواتِ الأخيرةِ تحديداً، تصاعدَ الخطابُ الرسميُّ الذي يصنّفُ بعضَ قوى الثورةِ – المعروفةِ إعلاميّاً بالقحاطةِ – كخصومٍ سياسيّينَ لا كمكوّنٍ مدنيٍّ من مكوّناتِ المشهدِ الوطنيِّ
وتكرّرت تصريحاتٌ من قياداتٍ عسكريّةٍ وأمنيّةٍ تتحدّثُ عن منعِهم من العودةِ إلى البلادِ أو فتحِ بلاغاتٍ ضدّهم أو معاملتِهم بوصفِهم أعداءً
بصرفِ النظرِ عن الاتهاماتِ المتبادلةِ، فإنّ مجرّدَ دخولِ المؤسّسةِ العسكريّةِ في هذا النوعِ من الصراعِ السياسيِّ العلنيِّ يُضعفُ صورتَها القوميّةَ
الجيشُ حين يُخاطبُ فصيلاً سياسيّاً بلغةِ التهديدِ يفقدُ مسافةَ الحيادِ
والأجهزةُ الأمنيّةُ حين تُلاحقُ معارضينَ بسببِ مواقفِهم السياسيّةِ تُرسّخُ انطباعاً بأنّها أدواتُ صراعٍ لا مؤسّساتُ دولةٍ
هذا المسارُ أفضى إلى نتيجةٍ خطيرةٍ
قطاعٌ واسعٌ من الشبابِ وقوى المجتمعِ المدنيِّ لم يعد ينظرُ إلى المؤسّسةِ العسكريّةِ باعتبارِها مظلّةً جامعةً، بل طرفاً في معادلةِ السلطةِ
وثقةُ الشعبِ هي رأسُ مالِ أيِّ جيشٍ
فإذا تآكلت، تآكلت شرعيّتُهُ المعنويّةُ
♀️ثالثاً: المنظومةُ الأمنيّةُ الهجينةُ وتعدّدُ الميليشياتِ
انتقالُ الدولةِ من جيشٍ واحدٍ إلى منظومةٍ متعدّدةِ الرؤوسِ
جيشٌ
دعمٌ سريعٌ
أجهزةُ أمنٍ
حركاتٌ مسلّحةٌ متعدّدةٌ
ثمّ تضاعفُ عددِ الميليشياتِ والكتائبِ إلى ما يتجاوزُ المائةَ مجموعةٍ تحتَ مظلّةِ التنسيقِ أو الدعمِ، كلُّ ذلك أضعفَ وحدةَ القيادةِ والسيطرةِ، وهي جوهرُ أيِّ عقيدةٍ عسكريّةٍ محترفةٍ
بدلاً من أن تكونَ تجربةُ الدعمِ السريعِ درساً في خطورةِ صناعةِ القوّاتِ الموازيةِ، توسّعَ البابُ أكثرَ
وزادَ الطينُ بلّةً!!
الدولةُ التي لا تحتكرُ السلاح تفقدُ سيادتَها تدريجيّاً
والجيشُ الذي يتداخلُ مع الميليشياتِ يفقدُ احترافيّتَهُ وثقةَ مجتمعِهِ
♀️رابعاً: طريقُ الإصلاحِ
إعادةُ بناءِ الثقةِ لا تكونُ بالخطاباتِ
بل بإجراءاتٍ واضحةٍ :-
١
إقرارُ الخضوعِ الكاملِ للسلطةِ المدنيّةِ المنتخبةِ وفقَ دستورٍ دائمٍ
٢
إيقافُ الخطابِ السياسيِّ الصادرِ من القياداتِ العسكريّةِ تجاهَ القوى المدنيّةِ، وإعادةُ المؤسّسةِ إلى موقعِ الحيادِ القوميِّ
٣
دمجُ أو حلُّ جميعِ التشكيلاتِ المسلّحةِ في جيشٍ مهنيٍّ واحدٍ وإنهاءُ ظاهرةِ الجيوشِ المتعدّدةِ
٤
إصلاحُ الأجهزةِ الأمنيّةِ والشرطيّةِ لتعملَ وفقَ سيادةِ القانونِ لا منطقِ الاستقطابِ
٥
ضمانُ آليّاتِ مساءلةٍ شفّافةٍ تعيدُ الثقةَ بينَ المؤسّساتِ والشعبِ
🛑خلاصة التقييم🪖
مشكلة السودان ليست في وجود جيش وطني، فوجوده ضرورة لأي دولة
وإنما تكمن المشكلة في تعريف دوره
فحين يتحول الجيش من حارسٍ للدستور إلى فاعلٍ سياسي
ومن مؤسسةٍ مهنية إلى لاعبٍ في ميزان السلطة
ومن قوةٍ موحدة إلى راعٍ لقوات موازية
فإن الدولة نفسها تدخل منطقة الخطر
🧐🫵 إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إضعاف الجيش
بل يحتاج إلى إعادة تعريف واصلاح لعقيدته
نريد :
جيشٌ يحمي الحدود فعلاً
ويحمي المدنيين بلا تمييز
ويخضع للسلطة المدنية المنتخبة
ولا ينتمي إلا للوطن
أما بقاء الوضع كما هو عليه، فسيجعل السؤال يتكرر كل مرة 😡
هل الجيش وُجد لحماية الدولة؟
أم أن الدولة باتت تُدار كمزرعة مملوكة للجيش؟
إن السودانُ لا يحتاجُ إلى جيشٍ في مواجهةِ شعبِهِ
بل إلى جيشٍ في خدمةِ شعبِهِ
فالجيشُ الذي يحمي جميعَ السودانيّينَ بلا استثناءٍ يكسبُ احترامَهم
أمّا الذي ينخرطُ في معركةِ السياسةِ، فإنّهُ يخسرُ المسافةَ التي تمنحُهُ الشرعيّةَ والهيبةَ معاً ‼️
#السودان
#إصلاح_المؤسسة_العسكرية
#التحول_المدني
#وحدة_السلاح

زر الذهاب إلى الأعلى