الأخبار

فولكر بيرتس : مع استقرار خطوط القتال، تنفتح نافذة للمفاوضات

الرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان “يونيتامس”
الحرب في السودان هي صراع على الأرض والموارد. وعلى مدى ما يقرب من ثلاث سنوات من القتال، تبادلت القوات المسلحة السودانية — الجيش النظامي في البلاد — وقوات الدعم السريع شبه العسكرية السيطرة على الأراضي، بكلفة إنسانية لا يمكن تصورها.
فمنذ أبريل 2023، نزح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان أو لجأوا إلى دول الجوار. ويواجه نصف السكان نقصًا حادًا في الغذاء، فيما يعاني عدد من الأقاليم، بما فيها دارفور، من الجوع الحاد.
وقد جرى التستر على أدلة لمجازر، ولا تزال جثث ضحايا القتال في شوارع الخرطوم مدفونة تحت الأنقاض، ما يجعل من المستحيل إحصاء عدد القتلى بدقة؛ إلا أن التقديرات تشير إلى أنه يتجاوز 150 ألف شخص.
وسط هذه الوحشية، بدأت خطوط القتال تتضح أكثر. في بدايات الحرب، كانت قوات الدعم السريع تسيطر على معظم العاصمة الخرطوم الواقعة على نهر النيل في وسط البلاد، وعلى معظم إقليم دارفور في الغرب. وفي عام 2024، سيطرت أيضًا على معظم ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم. في المقابل، احتفظت القوات المسلحة السودانية بالمناطق المأهولة في الشمال والشرق، وتراجعت الحكومة المرتبطة بها من الخرطوم إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر شرق البلاد. أما بقية أنحاء السودان فظلت ساحة قتال مفتوحة.
وفي يناير 2025 استعادت القوات المسلحة ولاية الجزيرة، ثم استعادت الخرطوم في مارس من العام نفسه، دافعة قوات الدعم السريع إلى غرب وادي النيل. هذا الانسحاب من وسط السودان مكّن قوات الدعم السريع من تركيز قواتها في دارفور ومحاصرة الفاشر، عاصمة الإقليم وآخر معاقل الجيش في الغرب.
وفي أكتوبر، اجتاحت قوات الدعم السريع الفاشر. وقُتل آلاف المدنيين العالقين في المدينة في مجازر جماعية.
تسيطر قوات الدعم السريع الآن على عواصم الولايات الخمس في دارفور، ما رسّخ نفوذها في الأجزاء الغربية من البلاد، في حين عززت القوات المسلحة سيطرتها على الشرق ومعظم الولايات الوسطى على امتداد وادي النيل.
ولا تزال المعارك مستمرة في إقليم كردفان، الواقع بين وادي النيل ودارفور، وفي ولاية النيل الأزرق الجنوبية التي تحد جنوب السودان وإثيوبيا.
ومنذ بداية الحرب، سعى كل من القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى إخضاع السودان كله لسيطرته.
ولا يزال الطرفان يزعمان أن النصر ممكن، لكن الخريطة تشير إلى غير ذلك. فالسودان، عمليًا، بات اليوم منقسمًا إلى شطرين.
هذا الانقسام المتجذر بشكل متزايد قد يمهّد الطريق لمرحلة جديدة من الحرب.
فقد يؤدي إلى تجميد تدريجي لخطوط المواجهة، مع إدراك الطرفين أنهما لن يتمكنا من تحقيق مكاسب إقليمية كبيرة تتجاوز ما يسيطران عليه اليوم.
وقد يقود ذلك إما إلى انقسام دائم للبلاد تحت سلطتين، أو إلى مزيد من التفكك على الجانبين. أو، إذا مارس اللاعبون الإقليميون والدوليون الأكثر تأثيرًا على الطرفين ضغطًا كافيًا، فقد يشكّل هذا الانقسام فرصة للتفاوض على وقف إطلاق نار — ومن ثم، مع الوقت، إنهاء هذه الحرب المروّعة.
حكاية جيشين
غالبًا ما توصف الحرب بأنها صراع بين جنرالين، البرهان من جانب القوات المسلحة، وحميدتي من جانب قوات الدعم السريع. لكن الأدق أنها صراع بين جيشين — الجيش النظامي وقوة موازية — لكل منهما قواعد دعم وطنية وإقليمية وشبكات نفوذ. ومع مرور الوقت، أدى انخراط ميليشيات قبلية أو أيديولوجية مختلفة إلى تحويل ما بدأ كمواجهة عسكرية بحتة إلى حرب أهلية أوسع.
تعود جذور النزاع الحالي إلى حرب دارفور التي اندلعت عام 2003، حين أطلق الجيش السوداني حملة لمكافحة التمرد ضد جماعات متمردة غير عربية، بمساعدة ميليشيات عربية محلية تُعرف مجتمعة باسم الجنجويد.
وتقدّر الأمم المتحدة أن مئات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من المدنيين غير العرب في دارفور، قُتلوا. ولا تزال جرائم الحرب واسعة النطاق التي يُزعم أن الجنجويد ارتكبوها قيد التحقيق أمام المحكمة الجنائية الدولية. يعرف البرهان وحميدتي بعضهما منذ تلك الحرب، حين كانا في صف الحكومة التي تقاتل التمرد.
كان البرهان قائدًا إقليميًا في الجيش السوداني، بينما كان حميدتي يقود ميليشيا أصغر كانت واحدة من عدة مجموعات مسلحة دعمت القوات المسلحة في قتالها ضد المتمردين.
أنشأت حكومة عمر البشير قوات الدعم السريع عام 2013 وعيّنت حميدتي قائدًا لها، مستندة بشكل أساسي إلى الميليشيات العربية في تجنيد عناصرها. وينحدر معظم مقاتلي قوات الدعم السريع اليوم من قبائل عربية في دارفور وكردفان.
ورغم أن هذه القوة أُنشئت كجزء من جهاز أمن الدولة في عهد البشير، فإن حميدتي أدارها كأنها مشروع عائلي: فشقيقه الأكبر نائبه، وشقيقه الأصغر مديرها المالي، ومعظم القيادة الأساسية تنتمي إلى قبيلته.
أُطيح بالبشير بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية في عام 2019. في البداية حاول العسكريون الحكم بمفردهم، لكنهم اضطروا مع استمرار الاحتجاجات إلى القبول بترتيب مدني–عسكري.
وقادت الحكومةَ آنذاك شخصية مدنية، وكان مجلس السيادة الانتقالي المؤلف من 11 عضوًا يقوم بدور رأس الدولة الجماعي، برئاسة البرهان ونائبته حميدتي.
وفي أكتوبر 2021، نفّذ البرهان وحميدتي معًا انقلابًا على الحكومة المدنية وتولّيا السلطة التنفيذية. ولم ينجحا في الحكم. فقد قاوم المجتمع السوداني حكمهما، وافتقرا إلى الدعم الدولي، وكانت البلاد تتجه نحو الانهيار الاقتصادي. وفي النهاية، بدأ الطرفان التواصل مجددًا مع القوى المدنية التي أطاحا بها.
وبحلول ديسمبر 2022، توصلا إلى اتفاق مبدئي لإعادة السودان إلى الحكم المدني. وفي أبريل 2023، وبعد أربعة أشهر من التفاوض برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، بقيت مسألة واحدة عالقة: كيفية دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني.
أراد البرهان والجيش تنفيذ ذلك بسرعة وبشكل كامل، بينما لم يرغب حميدتي في فقدان السيطرة على قواته، وبالتالي على مصدر قوته وثروته.
هذا الخلاف حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وقاد العسكريين إلى الحرب. واستقطب الطرفان جماعات متمردة وميليشيات أيديولوجية وقبلية وإجرامية إلى جانبيهما. فالقوات المسلحة، على سبيل المثال، تستند إلى دعم جماعات إسلامية مسلحة مثل كتيبة البراء بن مالك، وإلى فصائل متمردة سابقة وقّعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020، مثل فصيل مني أركو مناوي من حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.
أما جناح عبد العزيز الحلو من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، الذي لم يكن طرفًا في اتفاق جوبا واحتفظ بسيطرة كبيرة على مناطق في جبال النوبة بكردفان، فقد امتنع في البداية عن الانحياز لأي طرف، لكنه دخل في تحالف مع قوات الدعم السريع عام 2025.
تلعب الانقسامات الإثنية والعنصرية دورًا في الصراع، ولا سيما في المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ذات الغالبية العربية بحق مجموعات غير عربية مثل المساليت والزغاوة. لكن الانقسامات بين المركز والأطراف، والانقسامات الأيديولوجية، تعقّد الصورة. فهناك ميليشيات عربية وأخرى غير عربية تقاتل إلى جانب الطرفين. وبعض الميليشيات انتهازية في المقام الأول، وقد بدّل عدد منها ولاءه عندما وُعد برواتب أعلى أو بسيطرة إقليمية أكبر أو بأمن أفضل لمجتمعاته.
يتهم كل من الجيش وقوات الدعم السريع الآخر ببدء الحرب، وكلاهما كان يستعد لها بالفعل. ولا شك أن القادة العسكريين على الجانبين يتحملون مسؤولية ثلاث سنوات من العنف وجرائم الحرب والانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان. فقد ارتكب مقاتلو قوات الدعم السريع معظم أعمال القتل والاغتصاب والنهب على الأرض، بينما استخدم الجيش سلاحه الجوي لقصف الأسواق والبنية التحتية المدنية في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الدعم السريع أو التي اشتبه في وجود مؤيدين لها فيها.
كما استخدم الطرفان السيطرة على المساعدات الإنسانية كسلاح: فحاصرت قوات الدعم السريع الفاشر حتى التجويع، بينما وضعت الحكومة المرتبطة بالجيش عراقيل بيروقراطية متكررة أمام برنامج الغذاء العالمي ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية التي تحاول إيصال المساعدة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
أجندات سياسية
ما جعل هذه الحرب عصيّة على الحل هو أن كلا الطرفين يدّعي تمثيل السودان الشرعي، وأن لكل منهما داعمين خارجيين. ويُنظر إلى ادعاء البرهان على أنه الأكثر قبولًا. فهو، إلى جانب كونه قائد الجيش، يرأس مجلس السيادة الانتقالي منذ 2019، واحتفظ بالمنصب حتى بعد انقلاب 2021. كما حافظ على سيطرته على الوزارات. وتتعامل الأمم المتحدة ومعظم الدول معه بوصفه رئيس الدولة الفعلي، ويراه معظم السودانيين كذلك، رغم أن كثيرين يشككون في شرعية موقعه بعد الانقلاب.
في المقابل، يدّعي قادة قوات الدعم السريع وعدد محدود من أنصارهم المدنيين أنهم يمثلون السودان الشرعي. ويقولون إنهم يقاتلون نظامًا غير عادل تهيمن عليه نخبة عسكرية وبيروقراطية واقتصادية صغيرة من وادي النيل استغلت أطراف السودان، عربًا وأفارقة، منذ الاستقلال عام 1956. وبالطبع، ليس حميدتي نصيرًا موثوقًا للعدالة أو حقوق الإنسان أو الحكم الشامل أو العلمانية. لكنه نجح في استثمار شعور واسع بالإقصاء لدى قطاعات كبيرة من السكان، وكذلك السخط على الحركة الإسلامية السودانية، وهي نسخة من الإخوان المسلمين هيمنت على السياسة في عهد البشير وعادت بقوة في ظل البرهان، الذي سمح للإسلاميين بإعادة بناء نفوذهم داخل الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والإدارة مقابل دعمهم له.
لم يكن بوسع أي من الطرفين الاستمرار في هذه الحرب والدفاع عن أجندته السياسية من دون دعم خارجي. فمصر، الجارة الشمالية للسودان، كانت الداعم الأقوى للجيش منذ بداية الحرب. وتفضّل القيادة العسكرية المصرية وجود جنرال على رأس الدولة الجنوبية، كما أن للقاهرة مصلحة قوية في إبقاء السودان إلى جانبها في نزاعها مع إثيوبيا حول مياه النيل.
ومنذ سقوط الفاشر، زادت مصر من انخراطها. ووفقًا لتقارير في نيويورك تايمز وغيرها، فإنها لا تقدم فقط معلومات استخباراتية ومعدات للجيش، بل تسمح أيضًا، من بين أمور أخرى، بإطلاق عمليات طائرات مسيّرة ضد قوات الدعم السريع من أراضيها.
كما تلقى الجيش أسلحة من إيران وروسيا، وبشكل متزايد من تركيا. أما السعودية فقد حاولت في بداية الحرب أن تتخذ موقع الوسيط المحايد — وشاركت مع الولايات المتحدة في استضافة محادثات جدة عام 2023 — لكنها اقتربت تدريجيًا من جانب الجيش.
ويعود دعم السعودية المتزايد للجيش إلى مخاوفها من أن يؤدي دعم الإمارات لقوات الدعم السريع إلى انتصار هذه الأخيرة، بما قد يفضي إلى تفكك السودان وزعزعة استقرار منطقة البحر الأحمر بأكملها. وقد نفت الإمارات مرارًا تزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، لكنها بلا شك تدعمها سياسيًا وماديًا، وترى فيها ثقلًا موازنًا لنفوذ الإسلاميين داخل الجيش والحكومة.
فالإمارات تعتبر القوى الإسلامية في العالم العربي تحديًا خطيرًا لنموذجها السلطوي العلماني، ولا تريد للسودان، الواقع في قلب الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر وشرق أفريقيا، أن يقع تحت سيطرة قوى معادية لها.
نقطة تحوّل
قد تخلق مأساة الفاشر، التي كرّست الانقسام الحاد بين مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع، شروطًا لهدنة ما. فقد أنشأت قوات الدعم السريع حكومة خاصة بها في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، التي تراها قاعدتها الطبيعية. (ولا تعترف بهذه الحكومة أي دولة، حتى الدول المجاورة مثل تشاد وإثيوبيا وكينيا وجنوب السودان، التي بقيت على الحياد لكنها تميل إلى الدعم السريع).
وتحاول سلطات الدعم السريع الآن، بصعوبة، إدارة المناطق التي رسّخت سيطرتها عليها في دارفور. ومقاتلوها هناك يقاتلون على أرضهم، وسيكونون أكثر حماسة للدفاع عنها مما كانوا عليه في الخرطوم.
في المقابل، يرى البرهان وكبار قادة الجيش أنفسهم قوميين سودانيين يريدون الحفاظ على حدود البلاد الحالية وإخضاع كل أراضيها لسلطة حكومة مركزية واحدة.
لكن بعض حلفائهم الإسلاميين، الذين تتركز قواعدهم في الشمال وعلى طول النيل، قد يفضّلون التخلي عن دارفور ومناطق الأطراف إذا تعذر حكمها من الخرطوم.
وقد اتخذت نخب الخرطوم الحاكمة خيارًا مشابهًا من قبل، عام 2011، عندما قبلت استفتاء أدى إلى استقلال جنوب السودان بعد عقود من الحرب الأهلية. واليوم، قد يختار بعضهم مرة أخرى الاحتفاظ بجزء من السودان بدل تقاسم السلطة على كامل البلاد.
ومع وصول الطرفين إلى نقطة قد تصبح فيها المكاسب الإقليمية الإضافية غير مرجحة، قد يخلص كل منهما إلى أن تثبيت مواقعه الحالية هو أفضل ما يمكن تحقيقه بكلفة مقبولة. ويسعى الطرفان إلى القبول الإقليمي والدولي، ويعلمان أن المشاركة في جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة ستُحسّن صورتهما.
وربما كان هذا الدافع — إلى جانب الرغبة في درء اتهامات جرائم الحرب والإبادة الجماعية — هو ما دفع قوات الدعم السريع إلى إعلان “وقف إطلاق نار إنساني أحادي” بعد سيطرتها على الفاشر، حتى مع استمرار هجومها في ولايات كردفان.
أما البرهان وقيادة الجيش فقد أعلنوا علنًا مواصلة القتال حتى هزيمة الدعم السريع أو استسلامها، لكن البرهان استكشف بهدوء خيارات وقف إطلاق النار مع مسعد بولس، المستشار البارز للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي أكتوبر أيضًا، أرسل الطرفان ضباطًا إلى واشنطن لإجراء محادثات.
كما أظهر الطرفان استعدادهما للتراجع عن القتال خدمة لأهداف عملية، مثل الحفاظ على تدفق النفط وعائداته — حتى وإن لم يُظهرا ضبط النفس نفسه لحماية المدنيين. ففي ديسمبر، تمكنت قوات الدعم السريع من إخراج الجيش من هجليج، في غرب كردفان، حيث يقع أهم حقل نفطي في السودان، وعلى مسار خط الأنابيب الذي يربط حقول نفط جنوب السودان بميناء التصدير في بورتسودان.
وكان إنتاج النفط في هجليج قد تراجع بالفعل إلى أقل من ثلث مستواه قبل الحرب، لكن تعطيل الخط بشكل مستمر كان سيوجه ضربة قاصمة لجنوب السودان الذي يعتمد اقتصاده على النفط، ويحرم حكومة بورتسودان من مصدر دخل مهم.
لذلك، توسطت جوبا لتفاهمات موازية مع حميدتي والبرهان تقضي بانسحاب قوات الدعم السريع من هجليج ونشر قوات جنوب سودانية محايدة لتأمين الحقل وخط الأنابيب.
ولم تُكشف تفاصيل الاتفاق، بما في ذلك ما إذا كانت قوات الدعم السريع ستحصل على مقابل ما، لكن الأخيرة انسحبت خلال أيام، ودخلت القوات الجنوب سودانية إلى الموقع.
إن اغتنام هذه الفرصة للتوصل إلى وقف إطلاق نار، ومن ثم إنهاء الحرب، يعتمد إلى حد كبير على قدرة الولايات المتحدة والداعمين الخارجيين للطرفين على تغيير حساباتهم.
ففي سبتمبر، اتفق “الرباعي” الذي تقوده واشنطن — ويضم أيضًا مصر والسعودية والإمارات — على خارطة طريق للسلام في السودان تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها هدنة دائمة وعملية سياسية لتشكيل حكومة مدنية.
وقد قبلت قوات الدعم السريع الخارطة من حيث المبدأ ووافقت على الهدنة الإنسانية، لكن الجيش رفض حتى الآن ما لم تنسحب قوات الدعم السريع من الفاشر وغيرها من المدن وتسلّم أسلحتها الثقيلة. كما اعترضت الحكومة المرتبطة بالجيش على مشاركة الإمارات في الرباعية بسبب دعمها لقوات الدعم السريع.
لا توجد ضمانة بأن الهدنة ستقود إلى سلام، لكنها قد تظل ممكنة. فخطة محدّثة أعلنها بولس هذا الشهر في واشنطن تهدف إلى معالجة بعض تحفظات الجيش عبر تضمين ترتيبات لانسحاب المقاتلين وعودة المدنيين بأمان إلى الفاشر وغيرها من المناطق الحساسة.
لكن ذلك سيجعل الاتفاق أقل جاذبية لقوات الدعم السريع، وسيستلزم الضغط على الطرفين بشكل كبير. وسيحتاج الداعمون الخارجيون إلى سحب دعمهم السياسي والمادي أو التهديد الجدي بذلك.
فحرمان الطرفين من الطائرات المسيّرة مثلًا سيكون ضربة كبيرة لقدراتهما. كما أن الطرفين يصدّران الذهب إلى مصر والسعودية والإمارات؛ ولو أوقفت الدول الثلاث شراء هذا الذهب، فسيواجه الطرفان صعوبة في تمويل الحرب.
كذلك فإن عقوبات منسّقة إضافية من بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على القادة العسكريين والميليشيات وشركاتهم وكل من يشارك في تجنيد المرتزقة ستجعل الحرب أقل ربحية.
ويمكن للمجتمع الدولي أن يقدّم حوافز إيجابية أيضًا. فإتاحة مخارج شخصية لبعض قادة الجيش والدعم السريع، بما في ذلك أماكن آمنة للإقامة، قد تجعلهم أكثر استعدادًا لإنهاء الحرب. ورغم أن وعود المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار قد لا تغري القادة العسكريين، فإنها قد تهم أنصارهم المدنيين. كما أن وجود خطط موثوقة للاستثمار والانخراط الاقتصادي بعد الحرب من دول الخليج قد يضعف النفوذ السياسي للإسلاميين الذين يميلون إلى رفض أي مبادرة من الرباعي باعتبارها تدخلًا خارجيًا.
لدى أعضاء الرباعية أسباب تدفعهم للضغط من أجل هدنة. فترامب يريد أن تُسفر جهوده لصنع السلام عن نجاح واضح، وجميع الأطراف تريد البقاء على ودّه. ورغم اختلاف أهداف مصر والسعودية والإمارات طويلة الأمد في السودان، فإنها أعلنت جميعًا التزامها بخارطة طريق سبتمبر، ويمكنها الاتفاق على مرحلتها الأولى: هدنة إنسانية. كما أن تزايد خطر تمدد الصراع إقليميًا يزيد من إلحاح خفض مستوى العنف في السودان. فجنوب السودان على شفا حرب جديدة، والحرب في الشمال تضغط على اقتصاده وتعمّق انقساماته السياسية. والجيش يطلق طائرات مسيّرة من مصر، وميليشيات موالية له تتدرب في إريتريا، ومقاتلون متحالفون مع الدعم السريع يشنون هجومهم في النيل الأزرق انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية.
الهدنة ليست ضمانة للسلام، لكنها خطوة أولى ضرورية وقد تمنع تطييف الصراع إقليميًا. والسودانيون بأمسّ الحاجة إلى توقف القتال، ويتفق معظم المراقبين على أن الأغلبية ستؤيد وقفًا فوريًا لإطلاق النار بغض النظر عن خطوط السيطرة. ومع أن مشاركة قادة الجيش والدعم السريع ستكون ضرورية لإرساء الهدنة وتثبيتها، فإن أي عملية سلام لاحقة يجب أن تقودها القوى المدنية لا العسكرية حتى تنجح.
فإذا أدت الهدنة ببساطة إلى تقسيم البلاد بين منطقتي نفوذ للجيش والدعم السريع، فلن ينتج عنها سوى مزيد من التفكك. فتحالف الدعم السريع مع الحركة الشعبية – شمال (جناح الحلو) غير مرجح أن يدوم، والجماعات الدارفورية التي تقاتل اليوم إلى جانب الجيش ضد عدو مشترك قد تنفصل عنه لاحقًا، وقد تظهر نزعات انفصالية في الشرق.
وتجنب هذا السيناريو يتطلب إعادة توحيد السودان، وهي مهمة يجب أن ينهض بها القادة المدنيون وقوى المجتمع المدني التي لا تزال حيوية رغم كل شيء. وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب، لن تكون مهمتهم سهلة. لكن الهدنة ستمنح القوى المدنية مساحة أكبر للتحرك.

زر الذهاب إلى الأعلى