
عبد الكريم البليخ
“الحرية ليست هدية تُمنح، بل موقف يُتخذ”، هكذا يمكن أن نلخص فلسفة جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي المولود في جنيف عام 1712، والذي شكّل بفكره منارة للأجيال الباحثة عن التحرّر. فقد نشأ في ظروف قاسية، إذ فقد والدته عند ولادته، وهجره والده، فتولى عمّه رعايته، غير أن هذه المحن لم تمنعه من أن يكون رمزاً للفكر الثوري الذي يدعو إلى التحرّر من قيود الاستبداد والطغيان.
يرى روسو أنّ الحرية ليست هبة تُمنح أو إرثاً يُورَّث، بل هي نتاج نضال طويل وتضحيات جسيمة. فحتى في أحلك الظروف، يمكن للإنسان أن يكون حراً، ما دام يحمل في داخله روح التمرد على القيد، والإصرار على تقرير مصيره. فليست الديكتاتورية قادرة على قتل روح الحرية ما دام الفرد يعي قيمتها ويؤمن بحقه فيها. إنها صراع مستمر بين الإرادة والقمع، حيث يظل الإنسان قادراً على تحقيقها، ولو دفع أثماناً باهظة، من المعاناة والخذلان وحتى القسوة التي قد تنهك الجسد، لكنها لا تنال من جوهره الحر.
الطريق إلى الحرية، كما يراها روسو، ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل يحتاج إلى صبرٍ وثبات، إلى تحدٍّ ومرونة في آنٍ واحد، إلى روح لا تكلّ ولا تملّ من السعي حتى في وجه أعنف أشكال التنكيل. فالرجل الذي يُقاتل من أجل حريته، ويقدّم لها كل غالٍ ونفيس، هو رجل مقدام، يعي أن لا حياة بلا كرامة، ولا كرامة بلا حرية.
روسو، مهندس الفلسفة الفرنسية، لم يكن مجرد مفكر نظري، بل كان صاحب رؤية تدعو إلى العودة إلى الفطرة الإنسانية النقية، حيث يؤمن بأن الإنسان يولد طيباً، لكن المجتمع هو الذي يُفسده. ومن هنا، كان تركيزه على أهمية التربية السليمة، التي تقوم على التجربة لا التلقين، والاعتماد على الضمير في التمييز بين الخير والشر، بدلاً من الانقياد الأعمى للمجتمع.
لقد كان روسو يؤمن بأن جميع الأديان، في جوهرها، تهدف إلى توجيه الإنسان نحو الخير العام، وأن على الفرد أن ينصت لصوته الداخلي، فهو البوصلة الحقيقية في تحديد الصواب. كما شدّد على أهمية احترام الطفولة وإفساح المجال للنشء ليتعلموا عبر التجربة، قائلًا: “إنَّ التلميذ يتعلّم من زملائه أكثر مما يتعلّمه من المدرسةً”.



