الأعمدة

بكائية على حائط متحف التاريخ الطبيعي بجامعة الخرطوم. الزول بونسو غرضو

كتب البروف محمد عبد الله الريح..
بكائية على حائط متحف التاريخ الطبيعي بجامعة الخرطوم.
الزول بونسو غرضو
وأجيب من وين عمر تاني
طلبنا من زملاء لنا يقيمون في الخرطوم أن يخطفوا أرجلهم وما يجدونه من مركبات لزيارة المتحف وإفادتنا بالوضع هناك وارسال فيديوهات نرى فيها الوضع على حقيقته فنحن بونسنا غرضنا وغرضنا هو متحف التاريخ الطبيعي وحتى الدكتورة سارة سعيد مديرة المتحف والدكتور ابوبكر محمد والدكتورة رانية بليلة والدكتورة منال صيام وبالرغم من بعدهم عن المتحف ومجموعاتهم المرجعية فإنهم أقامو منصة للرد على استفسارات المترددين على المنصة وتلك هي إحدى مهام المتحف الرئيسية ألم أقل لكم الزول بونسو غرضه ؟
تكرم الاخوة بإفاداتهم التي جعلتني في حالة ذهول وعدم تصديق ودونكم الإفادة مرفقة . لقد تم تحطيم المتحف وأفرغت قاعاته مما بها ولم يعد فيه شئ يلاحظ ناهيك عن يذكر .
فمن وين أجيب عمر تاني وأنا وجيلي كلنا نعيش في زمن الركلات الترجيحية وكلها خمس شوتات ؟
من وين أجيب عمر تاني وأنا أعود من بانتيو في سبتمبر 1972 وقد حضنت معي داخل البابور من بانتيو خمس بيضات تماسيح وأصلة حملتها معي في الطائرة الى الخرطوم وأنا أودع زميلي ضابط الحكومة المحلية الفاضل عبدالله عبد المجيد في ملكال وهيأت لها العش المناسب في مكتبي ففقست منها ثلاث : ذكران وأنثى (صفيراء) وظل الذكران في عراك دائم مما اضطر الدكتور التجاني علام وقد كان مديرا للمتحف في وقت من الأوقات أن يفدي حيوانات المتحف بأحد الذكريين وذلك ببيعه لخميس أبو مريومة بمبلغ ثلاثة ملايين من الجنيهات وذلك لتغذية حيوانات المتحف بعد أن أوقفت الجامعة دعمها للمتحف وظل ذلك المبلغ يؤمن الغذاءات لحيوانات المتحف لمدة ستة شهور .
وأذكر إنني عندما عينت مديرا عاما لمجمع ساريا الصناعي أقنعت مجلس الإدارة الذي كان رئيسه السيد المرحوم ابراهيم منعم منصور أن يتبرعوا للمتحف بخمسين مليون جنيه سلمتها للأخ الدكتور فتحي الربعة الذي كان مديراً للمتحف فاستغلها في بناء قاعة في المدخل كانت تؤجر ودخلها كان يستغل في عمل كثير من الإصلاحات في المتحف وجلب الغذاء.
وأجيب من وين عمر تاني ؟
فأحصل على كبش مي Barbary Sheep من السبلوقة إن كانت لازالت تسبلق
وأجيب من وين عمر تاني لأحصل على كيكو Hyraxمن جبل هيبان مع طلاب قسم الحيوان في رحلتهم لجبال النوبة عام 1970.
وأجيب من وين عمر تاني لأحصل على أبون ضلاف Aardvark من منطقة التبون في طريقنا للضعين والردوم ونيالا وكفيا كانجي في جنوب دارفور أو قل من أين أحصل على آم قرفة Pangolinبين الأضية والمجلد وأنا إستمع لوصايا أهلنا الحمر (طق أم قرفة كنك تعرفا ) .
ومن وين أجيب عمر تاني ونحصل على النلت الكبير Greater Kudu من جبل الداير ويقوم المرحوم احمد السيد أمين المتحف بتحنيطه قبل تقاعده . النلت الكبير بقرنيه الملويتين كان رمزا لمديرية كردفان وكان يزين برانيط مدراء المديرية من لدن المرحوم مكاوي سليمان أكرت وإدريس بخاري والريح الأمين والمفتشين والضباط أمثال عامر بابكر وبكر علي حسن ومحمد ابراهيم الأسطى وحسن كندة كربوس وعبدالقادر علم الهدي (الجفري) .
في اكتوبر 1968 عدت من بريطانيا وكنت مشبعا بما يبثه التلفزيون البريطاني في برنامج (بانوراما) الذي كان يقدمه روبن داي وكان ينقل تفاصيل ذلك الاقتتال في تشاد بين الرئيس المسيحي فرانسوا تمبلباي من الجنوب وبين جماعة جوكوني عويدي وحسين هبري من شمال شرق تشاد فكانو يبيدون الحياة البرية في تلك المنطقة فكتبت مقالا نشرته جريدة الأيام تحت عنوان قصدت أن يكون مثيرا وملفتا (التلاتة الزي عيال فلاتة ) قلت فيه أن ذلك الصراع الدامي يهدد بإبادة ثلاثة ظباء سودانية مية المية وليست مجهولة الهوية كقبائل الفلاتة الذين يجادل الناس في أصولهم . وقلت أن هناك ظبي الريم Dama Gazelleوظبي أم كبجو Addaxوظبي أبوحراب Oryxأو ما يشار إليه بالمها الوضيحي وكلها مهددة بالانقراض نتيجة لتلك الحرب المستعرة.
وجاءني إخطار من رئاسة الجمهورية أن الرئيس التشادي فرانسوا تمبلباي في زيارة للسودان وإن كريماته وعددهن ستة عشر سيزرن متحف التاريخ الطبيعي وبصحبتهن مترجم وبعضهن يتحدثن عربية مكسرة بلهجة تشادية وهن يحملن معهن هدية للمتحف وعليكم تجهيز هدية لهن .
من ناحيتنا عندنا صناديق هدايا مخصوصة اخترنا فيها مجموعة من فراشات السودان الملونة وقلنا إن هذه ستكون هدية مناسبة وجاؤوا بأربع سيارات مرسيدس من القصر ومعهم رجال المراسم . شارع الجامعة كان ذا اتجاهين ولك أن تتخيل (ربكة) ناس المرور وهم يحاولون استيعاب كل ذلك أمام المتحف . بنات تمبلباي كن يترتدين اللبس الأفريقي التشادي ووجدنا صعوبة في استقبالهن والطواف بهن حول المتحف وحاولت أن أشرح لهن فكرة المتحف ولكن واحدة منهن ويبدو عليها أنها تتحدث شوية عربية فقالت : دا بكان هنا فطايس .. كله فطايس ولكم أن تتخيلوا صدمتي .. وقدمن هديتهن وكانت دورق كبير بعطر كافن كافن وهو ما اعتاد السودانيون يخلطونه بكلونيا الشبراويشي وكان يعد صيحة ذلك الزمان .
وبعد ذهاب الوفد قلت لملازم المتحف حاج علي والزاكي عبدالخير وأحمد سعيد : إنتو كلكم أقدم من أي واحد فينا بعشرات السنين واحدة من بنات تمبلباي قالت دا بكان هنا فطايس .. هل يوماً شعرتم أنكم قاعدين ليكم في بكان هنا فطايس ؟ وصاح أحمد سعيد وكان أكبرهم سناً : فطيسة هي وفطيس أبوها الإسمو تمبلباي ما ياهو زول زي دا دي ولادتو كلهم فطايس .. ويرد حاج علي : والله يافندي نحنا مرات لما الواحد بكون براهو في المتحف بنسمع كل الطيور دي بتصوت وما بنخاف بل بنطمئن .
طمنكم الله .
المتحف يمثل لهؤلاء بيئة ناطقة ألفوها منذ عشرات السنين وهو يمثل لغيرهم مكاناً يجدون فيه من يقبلهم ويسمع (لحكاويهم ) وسأحكي يوما عن أشخاص جابهم الدرب – شارع الجامعة وبعضهم جابه أستاذنا الطيب محمد الطيب رحمه الله وبعضهم جابه برنامج (طبيعة الأشياء) التلفزيوني . وسنذكرهم ونذكر أحوالهم يوما ما بإذن الله ليعرف الناس مقدار فجيعتنا في المتحف الذي داس الأنجاس بحوافر خيولهم ودمروه وأحرقوا صالاته وأهالوا الرماد على رؤوسنا ورأس حماد ولم يقل لنا حماد ماذا فعل بعد أن (كاله) رماد تتار ومغول القرن الحادي والعشرين .
لقد حرقوا ذاكرة السودان الطبيعية منذ زمن أمين باشا الذي جمع أندر العينات من غرب الإستوائية مطلع القرن العشرين وفرضوا على المتحف زهايمر قسري لا أرى له منقلبا . ودمروا مجموعة القواقع التي تبرع بها السفير البريطاني بعد أن صنفها تصنيفا علميا
وبعد أن نشرت مقالي في جريدة الأيام زارني في المتحف المستر كيرتس مور القائم بالأعمال الأمريكي وقال لي إنه على اتصال مع أشخاص في حديقة الحيوان بسان دييقو ويعرف أن لهم برنامجا عالميا يتعلق بإنقاذ الحيوانات المهددة بالانقراض ويعملون مع معهد الاسمثونيان في واشنطنون بحفظ النطف واستخدام التلقيح الصناعي لتكثير الأنواع المهددة بالانقراض وقد فعلوا ذلك مع وحيد القرن الأبيض وهو يتصل بهم ولابد أن يكونوا على علم بذلك . المستر كيرتس مور قتلته منظمة أيلول الأسود الفلسطينية هو والسفير الأمريكي كليو نويل ومعهم القائم بالاعمال البلجيكي جي غيد في الأول من مارس 1973 بعد أن رفض الرئيس نيكسون مطالب الفلسطينيين باطلاق سراح بعض زملائهم في الأردن .
تعرفت على كيرتس مور في المكتبة الأمريكية عندما كنت أزور صديقي مدير المركز المرحوم أحمد عمر عبدالرحمن ومعه الأخ (بلدياتنا) وإبن عمنا محمد المهدي والد الاعلامية ليلى المهدي من السروراب وكنت أزور المكتبة كثيرا لإستلاف الأفلام من الأخ نور الذي كان مشرفاً على مكتبة الأفلام . تلك الأقلام كنت أستعين بها في برنامجي (طبيعة الأشياء) . وقد أقمت أول معرض تشكيلي لي في المكتبة الأمريكية ليلة الأربعاء 20 اكتوبر التي استشهد فيها الشهيد القرشي .
ومن وين أجيب عمر تاني وقد كنت عضوا في مجلس أمناء معهد القرش الصناعي الذي كان مديره أستاذي مالك الزاكي رحمه الله وقد جئته يوما فوجدته وقد بروز لوحة جميلة للرئيس نميري رحمه الله . تلك الصورة التي كان يعتز بها نميري كثيرا وكانت تصوره وقد انعكست صورة الشعب على (نظارته) وقد كتب عليها الأستاذ مالك بخطه الجميل بيت الشاعر أبي تمام ( ولي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكا ) .
وكنت قد نشرت مقالي (أسد شاوشسكو) وقد أبدى الرئيس شاوشيسكو رغبته أن يصطاد أسداً في حديقة الدندر وقد أحضر معه بندقية صيد مخصوصة ولكن لم يكن القائمون على أمر حظيرة الدندر على ثقة من تهديف الرئيس شاوشيسكو وللإحتياط إختاروا أمهرهم ودسوه وسط ا لأشجار لينشن ويضرب مع شاوشيسكو
في آن واحد وقد كان (ودمهنا ) هو أمهر حراس الصيد وطبعا شاوشيسكو الرئيس الروماني كان الأثير عند السلطة لأنه كان يبني دار مجلس الشعب (المؤتمر الوطني لاحقا ). وقد كان أن قتل الأسد برصاصة ود مهنا بينما رصاصة شاوشيسكو لازالت تشق عنان الفضاء والشجر والقصة طويلة رويتها في مقالي ذلك . فجاءني صديقي المصور البارع شوقي أبوعكر الذي قرأ مقالي وهو يحمل صورة شاوشيسكو يضع رجله على رأس الأسد مثلما يفعل المكتشفون الأوائل ظاناً أنه قد فعلها وشوقي قال إنه قد عثر عليها في مكتب التصوير في وزارة الإعلام الذي كان يرأسه محمد محمود وطلبت من أستاذي مالك الذي تتلمذت عليه في خورطقت أن (يبروز) لي تلك الصورة ويكتب معها أبيات الحردلو :
جابوك في البلد ساكت وللفراجة
وأمك في الحريم مرة بتقضي الحاجة
نترة ناس أبوك للعافية ما بتتعاجا
وإنت إن كان كبر ما بتنجلب لخواجة
وكانت تزين مكتبى وراحت مع الرايحات .. ومن وين أجيب عمر تاني تعود لي فيه تلك اللحظات
أو أنشد مع الأديب السعودي سعد السريحي :
البارح والسحاب مطل
البرق وسط السحابة لاح
مدري مطرها علينا يطل
ولا تروح مع اللي راح
يبدو إنها تروح مع اللي راح .. واللي راح شوية .
يا ترى ما مدى ذلك الشر الذي كان مسيطرا على أولئك القوم وهم يقومون بحرق مقتنيات المتحف ؟ ولعل أزهار الشر للشاعر الفرنسي شارل بودلير هي الأنسب لإصطحابها معنا ونحن نبدأ رحلة الذوبان في المأساة :
نغذي الندم فينا كما يغذي المتسول الطفيليات التي تمتص دمه
عبر ظلمات نتنة
نعتصرها عصر برتقالة ذابلة
نهر خفي يطلق أناته المجنونة
إنه الضجر الذي يحلم بالمشنقة
وهو يدخن نرجيلته
عصفور الغابة الذي تقتله رتابة الأنغام التي يسمعها والتي يطلقها .
ونتأمل سحابتنا التي تركها أحبابنا بحديقة المتحف للوجد والتذكار فنأخذها
لنعتصر الدموع لنبكي حلمنا المفجوع أو منحنيات الأماني المستحيلة .
أو ننشد مع الحردلو :
الشم خوخت بتقت المواجع فينا
وصادرت المضارع من لسان وادينا
صرنا ملازمين للماضي حاني علينا
نعصر شمامة ذابلة من الضجر المقيل فينا
ووجدنا أن رحلتنا تبدأ من سقوط الماضي في الحاضر الذي ينذر بجفاف الحلم قبل أن يتحول إلى هلوسة مستعصيةتبحث عن مستقبل جدب الملامح يبكي نتانة الزمن المنكوب وضعف الطالب والمطلوب والراكب والمركوب ويعفر أرجلنا غبار الخيبة المتكلس كبقايا كمينة طوب .
وقد فرت العربات من طرقاتها وتعرت الشهور من أيامها وتراكمت كسلى على أقدام ساعات النهار المتثائبة ويحاول والي الخرطوم جمع كل تلك الخردة ولكن ماذا يجمعون من المتحف وقد (شفشفت) غرفه جحافل التتار . فالأيام تنخلع عن جلودها كما تفعل الحيات والأصلات في المتحف . لا شئ يساوي نظرة في فراغ قاعات متحف وتعود خاسئة حسيرة بعد أن حكموا عليها ألا تطيل البقاء محدقة في الفراغ الأغصان الذابلة بأحداقها الواسعة وقد جرحتها الراجمات تبكي الأوراق الميتة وقد تحولت لرماد.
أم نجد السلوى عند شاعر الريف الشمالي الأخ منصور المفتاح :
أرض الله الوسيعة بقت علي قد إبرة
طعنا فوق جرح ما أظنو تاني بيبرا
ضهر الماصع الممرون نضيف من دبرة
ساق الزول بعيد في حلقو خانقا العبرة
وأرد عليه :
يا المنصور أخوي
الزمن العلينا غبينتو ما بتنفش
دا العشم الدخل في القش وما قال كش
هارينا الوجع خلانا نتلطش
راميانا (الضنك) لامن أصابنا كلبش
وأجيب من وين عمر تاني ؟
في مذكرتي كتبت:
اليوم زارني أحد ظرفاء الجامعة وقد اعتاد أن يزورني من وقت لآخر وله لغته الخاصة ومفرداته التي يعبر بها وقد وجد المجتمع الجامعي طرافة في ذلك وتقبلوه فتجده في قهوة النشاط وقد اصبح (ملح القعدات).
قال لي: البارح شايفك قابض الجو مع ضبك وطيرت قلب بت الناس المذيعة وانت ولا هاميك شايل الضب في يدك وبتخليه كمان يعضيك. ومرتاح زي (المرا) المريحنها أولادا.
فصحت: الله أكبر عليك. يا أخي من أول الصباح.. وبعد دقائق جاءنا الأخ البروفيسور عاصم مغربي فسلم على صاحبنا ظريف الجامعة وتبادلا التحايا وقال لي الأخ عاصم: اسمع يا (ورل) وقد اعتاد أن يناديني بذلك الاسم الذي كنت اعده نوعا من الثناء من عاصم إذ كانت هذه هي طريقته في المزح.. رحمه الله واحسن إليه.
بكرة ح نمر عليك أنا وعبد المنعم ساتي خليك جاهز لرحلتنا المؤجلة إلى الكرمك وخور يابوس بعد أخذنا الفورد البوكس بتاع قسم الحيوان وظبطناه في النقل الميكانيكي وأدونا معاه لستك اسبير ودفتر بنزين وزيوت. المهم كل حاجة ظبطناها انت جهز صندوقكم بتاع المتحف الفيهو حاجاتكم والرحلة بتاخد عشرة أيام تقريباً ومن هنا ح نقيف في سنار ونبيت مع ناس عمك أحمد العبيد نسيب عبد المنعم ساتي زوج ابنته كوثر .
وتاني يوم نتحرك لسنجة والدمازين وبعدين نمشي عن طريق ود النييل ومنها منطقة الانقسنا إلى باو ودندرو والكرمك وخور يابوس.. طبعا ح ناخد معانا صاحبنا الطباخ بتاع المرة الفاتت بكامل عدته وعتاده. وطبعاً كما يقول أهلنا (النية زاملة سيدا).. فوالله ما خرجنا مع عاصم مغربي إلا وتسهلت لنا كل الخطوات أولاً لأن عاصم يعرف طريقه جيداً ويعرف كل الاشخاص المهمين الذين يقدمون لنا كل العون لو حدث أننا احتجنا له. كما وأنه رحمه الله رجل المهام الصعبة لو حدث أي شيء يتعلق بميكانيكا العربة.. ونحنا ناس (فراجة)..
وكانت هناك محطات نأخذ منها عينات من ماء النيل الازرق ابتداءاً من سوبا والحصاحيصا والكاملين ومدني وسنار وسنجة والدمازين وفي العودة نعرج على محطة الديم عند مدخل النيل الأزرق إلى السودان قصاد المتمة الحبشية من الناحية المقابلة.
الطريق يقودنا إلى قلب أرض الانقسنا.. وكما قال المتنبيء (ملاعب جنة لو سار بها سليمان لسار بترجمان).. في تلك الرحلة سجلنا من الحيوانات الثديية غزلان المور الرشيقة والتيتل التيانق ?والبشمات والكتمبور والزراف الذي عثرنا عليه في مفازة في الطريق وكانت هناك بعض السنوريات كالقط أبو ريشات والغزالة أم سيحان وعدداً كبيراً من الطيور والحشرات والوطاويط.. كل تلك المشاهدات وأعدادها ومناطقها وتاريخ المشاهدة ونوع الغطاء النباتي وكلها نضمنها في تقارير متحف التاريخ الطبيعي ووحدة الابحاث المائية التي كان بروفيسور عاصم مديراً لها.
فمن وين نجيب عمر تاني لنجوس خلال الديار ؟
وأشعر مع أبناء وطني الذين جاسوا خلال الديار وإنهم في طريقهم للعودة أن دابة الحنين قد أكلت منهم عصا الترحال وإنهم حين يسقطون سيحتضن كل منهم شاهدا يقول هنا يرقد متحف وذاكرة التاريخ الطبيعي السوداني ونسألكم أن تقرأوا الفاتحة.
المعذرة أطلت عليكم .. فالفاجعة لا قاع لها واستغفر الله لي ولكم .
من طرف أخيكم محمد ودالريح الفي المدينة صيح .

زر الذهاب إلى الأعلى