الأعمدة

الإنسان السوداني لا مصلحة له في هذه الحرب. لم يشعلها بحثاً عن سلطة، ولم يطلبها دفاعاً عن امتيازات تنظيم أو طموحات جنرالات

عثمان فضل الله
استمعت إلى فيديو يائس وبائس للعميد المتقاعد الكوز طارق كيجاب، لكنه، للأسف، ليس مجرد فيديو يائس، بل خطاب مؤذٍ في دلالاته وما يحمله من استخفاف بمصير شعب أنهكته الحرب. يتحدث الرجل عن أن «العدو» دمّر ما لا يقل عن ٨٠ في المئة من محطات الكهرباء ومنشآت تخزين الوقود الرئيسية في البلاد، ويتوقع أن تدمير العشرين في المئة المتبقية خلال أيام، و يهيئ السودانيين لاستقبال عام كامل من الظلام والعطش والجوع وتعطل ما تبقى من مقومات الحياة.
المفارقة المؤلمة أن هذا هو الرجل نفسه الذي كان من أعلى الأصوات التي تبشّر بالنصر الوشيك، وتتعامل مع الحرب باعتبارها نزهة عسكرية لا تحتمل حتى هدنة ليوم أو يومين، تتيح للمدنيين الخروج من مناطق الاشتباك والنجاة بأرواحهم. بالأمس كان النصر قريباً إلى الحد الذي لا يستحق معه الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم، واليوم صار الخراب شاملاً إلى الحد الذي يستعد معه الرجل لإبلاغهم بأن ما تبقى من بنيتهم الأساسية سيُدمّر خلال أيام.
ثم يسجّل الرجل رسالته من داخل عربته الفارهة، ليبشّر شعباً لا يملك كثير من أبنائه ثمن وجبة واحدة بعام من أعوام الرمادة. هنا لا يتعلق الأمر بموقف عسكري أو بتقدير لحجم الدمار فحسب، بل بالسؤال الأخلاقي عن المسافة التي تفصل من يتحدثون عن الحرب من مواقعهم المريحة عن ملايين السودانيين الذين يدفعون ثمنها من أرواحهم وأرزاقهم وأمنهم وكرامتهم.
ويتحدثون عن نصر لا يترك للناس كهرباء ولا وقوداً ولا مستشفى يعمل بكفاءة، ولا مدرسة تستقبل أبناءهم، ولا بيتاً يأوون إليه مطمئنين!!ومشروع وطني يُطلب من السودانيين أن يصبروا من أجله على تدمير بلادهم، ثم يُقال لهم إن ما تبقى من الخراب سيكتمل خلال أيام؟ أي جنون هذا وأي عقل ذاك؟
الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا مواربة هي أن الإنسان السوداني لا مصلحة له في هذه الحرب. لم يشعلها بحثاً عن سلطة، ولم يطلبها دفاعاً عن امتيازات تنظيم أو طموحات جنرالات، ولم يفوّض أحداً ليحوّل وطنه إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية. هذه حرب أشعلها صراع السلطة، ودفعت البلاد ثمنه من وحدتها ومؤسساتها واقتصادها ومستقبل أجيالها. أما الذين زيّنوا الحرب للناس، وشيطنوا دعاة وقفها، وسخروا من المطالبين بهدنة إنسانية، فعليهم اليوم أن يواجهوا نتائج الخطاب الذي أسهموا في تكريسه، بدلاً من مطالبة السودانيين بالتأقلم مع الكارثة وكأنها قدر لا يمكن تفاديه.
لقد دُمّرت أجزاء واسعة من البلاد، وتشرد الملايين، وتبددت مدخرات العمر، وتعرضت مرافق الدولة ومصادر الرزق والبنية الأساسية لضربات موجعة. وما تبقى ليس غنيمة ينبغي التنافس على السيطرة عليها، بل أمانة ينبغي حمايتها من مزيد من التدمير. فإذا كانت الكهرباء والوقود والمياه والمستشفيات والطرق والمنشآت الاقتصادية قد أصبحت أهدافاً أو ضحايا لهذه الحرب، فإن الواجب الأول الآن هو وقف النزيف، لا التباهي بقدرة الأطراف على إلحاق مزيد من الأذى ببعضها بعضاً.
لا يحتاج السودانيون إلى مزيد من الخطب التي تعدهم بالنصر ثم تهيئهم للهزيمة، ولا إلى أصوات ترفع سقف التوقعات في أوقات القوة، ثم تطلب منهم الاستعداد لسنوات من البؤس حين تتكشف الخسائر. يحتاجون إلى شجاعة الاعتراف بأن استمرار الحرب لا يصنع وطناً، وأن تدمير ما تبقى من الدولة لن يمنح أحداً شرعية، وأن انتصار أي طرف فوق أنقاض السودان لن يكون انتصاراً للسودانيين.
لقد خربت البلاد بما يكفي. فلنحافظ على حطامها المتبقي، لعل الله يقيّض لها من العقلاء من يستطيعون وقف هذا الجنون، ولملمة شتات شعبها، وإعادة بناء ما تهدّم من مؤسساتها وحياتها. ليس عيباً أن يتراجع دعاة الحرب عن أوهامهم، ولا هزيمة أن يقبلوا وقف القتال؛ الهزيمة الحقيقية أن يواصلوا إحراق الوطن حتى لا يجدوا وطناً يحكمونه، ولا شعباً يطلبون منه التصفيق لانتصاراتهم.
السودان لا يحتاج إلى عام آخر من الرماد. يحتاج إلى قرار شجاع بوقف الحرب، وإنقاذ الإنسان، وحماية ما تبقى من البلاد. فالأوطان لا تُقاس بما يدمّره أبناؤها من منشآت، بل بما يستطيعون إنقاذه من حياة الناس وأملهم في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى