الأعمدة

ماذا يريد القائد البرهان من التجمعات الجماهيرية؟

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
قديماً، غنّى كثيراً الفنان الراحل محمد الأمين من كلمات صديقه الشاعر الراحل فضل الله محمد، فشكّلا ثنائياً مدهشاً لامس وجدان الأمة السودانية، وخلّدا بأغنياتهما ثورة أكتوبر 1964 الجماهيرية العظيمة.
ومن أغنياتهما الوطنية الخالدة كانت «الانطلاقة» و«أكتوبر 21»، ثم أنشودة «شهر عشرة حبابه عشرة»، وهي من أبرز تلك الأغنيات الوطنية، حيث جاء في أبياتها:
القيادة أمانة صعبة
والسياسة عمل تفاني
وإن تفرطوا في الأمانة
كل شهيد روحه بتنادي
ابقوا عشرة على المبادئ
والإشارة هنا إلى المعنى الكامن في الوصية بأن يقبض القادة على المبادئ «بالعشرة أصابع» متشابكة حول الكفين، فلا يفرّطوا فيها مهما اشتدت عليهم الظروف.
ففي ذلك الزمن، كانت الجماهير هي التي تسعى إلى القادة، بروح ثورية تريد إسداء النصح وتذكيرهم بالمبادئ، بذات السردية التي صاغها الشاعر فضل الله محمد وغناها أبو الأمين.
لم يكن قادة ذلك الزمان بحاجة إلى فرض أنفسهم على الجماهير، حينما كانت تبتعد عن السياسة في استراحة رياضية تضيق بها الاستادات، في لحظة تجلٍّ تهرب فيها من هموم الحياة، بما فيها هم السياسة، أو حين تجد متنفساً لها في حفل غنائي تغسل فيه جنبات دواخلها من غبار الضغط اليومي، خاصة الشباب الذين يؤمون تلك المحافل والأنشطة المختلفة.
بالأمس، شهد استاد الخرطوم الرياضي حشوداً ضخمة حضرت حفلاً غنائياً لمغني راب شاب.
غير أن الفريق البرهان اقتحم، دون سابق إنذار أو ترتيب معلن، ذلك الحفل، وصعد إلى المسرح، لتنعقد حواجب الحشود دهشة، والرجل يحوّل المنصة إلى خطاب سياسي، على خلفية منعه من الحصول على التأشيرة التي تؤهله لدخول الأراضي الأمريكية لمخاطبة جلسة الأمم المتحدة.
وحينما ضاق الشباب بما يفسد عليهم متعة اللحظة التي أتوا إليها بمالهم، ليتخلصوا من تراكمات الإحباط من عنت الحياة في بلاد تدور فيها حرب أضاعت عليهم، ربما، فرص التعليم والعمل، وأسرهم تعاني الأمرّين من شظف الحياة وضيق ذات اليد، فإنهم، رغم ذلك كله، وفروا قيمة تذاكر الدخول، وقد يكون ذلك بشق الأنفس، ليهربوا لساعات من واقعهم المرير.
فهل كان متوقعاً منهم أن يستقبلوا خطاباً سياسياً في اللحظة التي بحثوا فيها عن فسحة للفرح، بعيداً عن ضغوط الحرب وأوجاعها؟
وحين ضاق بعضهم ذرعاً بذلك الاقتحام، بدا وكأن الرجل يبحث في بقية الزمن المبهم من عمر هذه الحرب عن إبرة الحفر التي وعد بها الجماهير لتحقيق الانتصار، بينما ظل ذلك الانتصار يراوح مكانه في مربع الكر والفر في مناطق بعينها.
وهنا يبرز السؤال:
ما الذي يسعى إليه القائد البرهان من ملاحقة الجماهير؟
أهو اعتقاد بأن الظهور بين الناس هو ما يحقق مجد الزعامة ويفرض تفويضاً غير مشروط، بينما لا تزال ضرورات الحياة ومصفوفة الخدمات غائبة عن قطاعات واسعة من الشعب؟
أم أن المطلوب، قبل مخاطبة الجماهير في ساحات اللهو والفرح، هو طمأنة النفوس بالعمل الجاد على إيقاف الحرب، لا تأجيج الصراع، مع أننا لا نبرر بالطبع أساليب الاستعلاء والانتقائية في قرارات القوة الكبرى، ولا ازدواجية المعايير التي تتعامل بها مع بعض الأنظمة وقادتها، وفقاً لما تراه خياراً أو تعتبره نقيضاً لمصالحها في سردية علاقاتها الدولية؟
إن ما حدث في استاد الخرطوم من تضجر شبابي، وهرج ومرج، وهتاف قاطع خطاب الرجل، مما اضطر القوات الأمنية إلى التدخل وتفريق الحشود التي ولّت الأدبار طلباً للنجاة، يطرح سؤالاً أكبر من مجرد حادثة عابرة.
ماذا يريد القائد البرهان، وهو يلاحق الجماهير التي كانت، في أزمان سابقة، هي التي تلاحق القادة في كل مكان متى شعرت أن خطابهم يلامس همومها ويقترب من معضلات حياتها؟
فالجماهير لا تحتاج إلى من يطاردها في أماكن فرحها، وإنما إلى من يأتيها بما يخفف عنها أثقال واقعها، ويمنحها أملاً حقيقياً في غدٍ أفضل.
وما يلامس هموم المواطن ليس بالضرورة ما يمس هموم القائد وأحلامه، حتى وإن أُلبست تلك الهموم ثوب الحديث عن كرامة الوطن، وتحدي طواحين الهواء.
فالجماهير، في نهاية المطاف، لا تُستمال بكثرة الظهور أمامها، وإنما بما تراه من أفعال تلامس حياتها، وتصون كرامتها، وتفتح أمامها طريقاً للخروج من أتون الحرب إلى رحاب السلام والاستقرار.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى