
رغم إعلان الرئيسة الانتقالية الفنزويلية ديلسي رودريغيز توقيع اتفاقيات استثمارية بقيمة 1.4 مليار دولار في قطاع النفط، تؤكد تقديرات مؤسسات طاقية دولية أن إعادة تأهيل القطاع تتطلب ما لا يقل عن 183 إلى 200 مليار دولار، بعد عقدين من الإهمال الذي حوّل الحقول والمنشآت إلى بؤر تلوث بيئي ومناخي.
ويمثل الملف النفطي الفنزويلي تحدياً معقداً لإدارة دونالد ترامب، التي كانت تراهن على النفط الفنزويلي لإعادة رسم توازنات الطاقة ومواجهة موسكو وبكين، قبل أن تصطدم بواقع بنيوي متدهور يفوق أكثر التقديرات تشاؤماً، وفق مصادر وتقارير صادرة في واشنطن.
فجوة استثمارية هائلة
وتشير تقديرات شركات ومؤسسات أمريكية إلى أن تكلفة إعادة إعمار القطاع النفطي تتراوح بين 183 و200 مليار دولار، في حين أن المبلغ المعلن (1.4 مليار دولار) لا يمثل سوى جزء ضئيل من حجم الأزمة.
ووفق تقارير مؤسسة Rystad Energy، فإن 183 مليار دولار تُعد شرطاً أساسياً لرفع الإنتاج إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2040. وتشمل هذه الكلفة نحو 53 مليار دولار كميزانية طوارئ لمنع انهيار المنصات والبنية الحالية، إضافة إلى استبدال ما بين 40 و60% من شبكة الأنابيب المتآكلة.
جغرافيا نفطية متهالكة
تعكس المؤشرات البيئية حجم التدهور، لا سيما في بحيرة ماراكايبو بولاية زوليا، حيث تمتد شبكة أنابيب متهالكة تحت الماء لأكثر من 15 ألف كيلومتر، مع تسرب يومي يتراوح بين 500 و1000 برميل نفط، ما أدى إلى تفشي ظاهرة “المد الأخضر” الناتجة عن اختلاط النفط بالصرف الصحي.
كما تحتاج أكثر من 80 منصة بحرية مهجورة إلى تفكيك عاجل تفادياً لانهيار بيئي وملاحي محتمل.
أما حزام أورينوكو، فيُعد من أكثر مناطق إنتاج النفط الثقيل تلويثاً عالمياً. ووفق تحليل نشرته صحيفة The Guardian، تبلغ كثافة الكربون في نفطه نحو 1460 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل برميل، ما يجعله من الأعلى عالمياً من حيث البصمة الكربونية.
تكلفة بيئية وتقنية مرتفعة
يعاني النفط الفنزويلي من خصائص طبيعية تجعله لزجاً وحمضياً، ويتطلب استخراجه تقنيات حقن بالبخار عالية الكلفة والانبعاثات. كما أن إدخال تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه يرفع كلفة الاستثمار بنحو 30% إضافية، وفق تقديرات خبراء.
ويضاف إلى ذلك تدهور مجمع “باراغوانا” للتكرير وتسربات مستمرة في البحر الكاريبي، فضلاً عن حالة الأنابيب والمصافي التي باتت أقرب إلى “الخردة” منها إلى بنية تحتية قابلة للاستمرار.
حسابات واشنطن
ورغم التحديات، تشير مصادر أمريكية إلى أن إدارة ترامب لا تنوي التخلي عن الرهان الفنزويلي، إذ لوّحت بمنح تراخيص موسعة للشركات الكبرى مقابل التزامها بعمليات تنظيف وتأمين الأنابيب. كما بدأت واشنطن في استلام شحنات نفط تقدّر بنحو 50 مليون برميل كتعويضات عينية عن ممتلكات أمّمت عام 2007 في عهد هوغو تشافيز.
غير أن الفتور لا يزال سيد الموقف لدى الشركات العملاقة، التي ترى أن المخاطر البيئية والمالية المرتفعة تفوق المكاسب المحتملة، في انتظار تحرك أمريكي مباشر يمهّد الأرضية قبل ضخ استثمارات ضخمة.
وبين طموحات رفع الإنتاج واستحقاقات “الانتقال النفطي”، تبدو فنزويلا أمام معادلة معقدة: لا اقتصاد دون إعادة بناء قطاع النفط، ولا إعادة بناء دون “ميزانيات دول” تعيد الحياة إلى بنية تحتية أنهكها الزمن والسياسة


