
عبد الكريم البليخ
الكلمات الحقيقية لا تولد من عدد الأعوام التي نعبرها، بل من عمق التجربة التي نعيشها، ومن مقدار الوعي الذي يتراكم في الروح بصمت. بعد منتصف العمر، حين تهدأ العجلة قليلاً، وتتراجع ضوضاء الركض وراء الأشياء، تبدأ الكتابة في اكتساب رصانتها، وتبلغ لغتها ذروة النضج والاتزان.
في تلك المرحلة، يكون الإنسان قد عَبر خيباته وانتصاراته، تعلّم من خساراته بقدر ما تعلّم من نجاحاته، وامتلأت ذاكرته بحكايات البشر والأماكن واللحظات العابرة. وحين يكون قارئاً نهِماً، عاشقاً للكتب، متوغّلاً في عوالم الأدب والفلسفة والتاريخ، تتحوّل قراءاته إلى جذور عميقة تسقي لغته، وتمنحها اتساعاً ودفئاً وصدقاً.
الكتابة في هذا العمر ليست استعراضاً للمهارة، بل مصالحة مع الذات. ليست بحثاً عن التصفيق، بل محاولة لفَهم العالم بعيون أكثر رحمة، وأكثر تواضعاً. هي كتابة من عرف هشاشته، واختبر ضعفه، ثم نهض من جديد أكثر وعياً بمعنى الإنسان والحياة.
العبرة ليست في جسد يشيخ، بل في قلب يبقى حياً، وفي روح ترفض أن تستسلم لزمنٍ يحاول أن يحاصرها بالأرقام. فهناك أرواح لا تعترف بالسن، ولا تخضع للتقويم، بل تمضي في شبابها الداخلي، مهما تراكمت السنوات على كتفيها.
وكما قال الشاعر أحمد الصافي النجفي، حين جعل الروح ميزان العمر الحقيقي، فإن الإنسان يُقاس بما يحمله من شغف، وما يحتفظ به من دهشة، لا بعدد الشموع. فالعمر، في جوهره، ليس إلّا رحلة وعي، وكلما اتّسعت رؤيتنا، ازددنا شباباً… ولو بلغنا التسعين.
يقول:
سنيّ بروحي لا بعدّ سـنين..
فلأسخرنّ غداً من التسعين
عمري من السبعين يركض مسرعاً..
والروح ثابتةٌ على العشرين.



