بيان مصري واسع يرفض المساس بكرامة السودانيين
121 شخصية عامة تطالب بوقف الاحتجاز التعسفي وتحقيق مستقل في حالات وفاة

في تطور لافت يعكس حساسية اللحظة الراهنة في العلاقات الشعبية بين ضفتي وادي النيل، أصدرت مجموعة تضم 121 شخصية مصرية من قيادات حزبية ونقابية وحقوقية وأكاديمية وصحفية وفنية بياناً عاماً أعلنت فيه رفضها القاطع لأي مساس بكرامة السودانيين المقيمين في مصر، مطالبة بوقف ما وصفته بالاحتجاز التعسفي، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في حالتي وفاة داخل مقري احتجاز في الشروق وبدر.
البيان الذي وقعت عليه كيانات سياسية من بينها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب العيش والحرية، إلى جانب شخصيات عامة مثل الدكتور عمرو الشوبكي والدكتور جمال زهران، وعدد من الصحفيين والحقوقيين والبرلمانيين السابقين، عبر عن موقف واضح لا لبس فيه، مفاده أن كرامة السودانيين ليست محل مساومة، وأن حقهم في الحياة والأمان خط أحمر لا يقبل تجاوزه.
خلفية المشهد
يأتي البيان في أعقاب حملات رسمية تحت عنوان “ضبط الوجود الأجنبي”، وما رافقها وفق ما ورد في نص البيان من توقيف واحتجاز لبعض السودانيين، وسط حالة من القلق داخل الجالية السودانية التي لجأت إلى مصر هرباً من الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023.
الموقعون شددوا على أن غالبية السودانيين المقيمين في مصر،لم يأتوا بحثاً عن رفاهية، بل فراراً من حرب مزقت وطنهم، معتبرين أن شعورهم بالخوف مجدداً، على أرض لجأوا إليها طلباً للأمان، يمثل مأساة إنسانية وأخلاقية تستوجب وقفة جادة.
الوفاة داخل أماكن الاحتجاز
البيان أشار إلى ما تردد عن وفاة رجل مسن وشاب سوداني داخل مقري احتجاز في الشروق وبدر، واعتبر أن أي وفاة داخل مكان احتجاز تفرض تحقيقاً فورياً مستقلاً وشفافًا، تعلن نتائجه للرأي العام بوضوح كامل، وتحدد فيه المسؤوليات دون مواربة أو تسويف.
هذا الطرح يضع السلطات المعنية أمام استحقاق قانوني وأخلاقي مزدوج: ضمان الشفافية في الوقائع المثارة، وطمأنة الرأي العام، المصري والسوداني، بأن الإجراءات المتخذة لا تخرج عن إطار القانون والمعايير الإنسانية.
بين حق الدولة وكرامة الإنسان
لم ينكر البيان حق الدولة في تنظيم الإقامة، لكنه أكد أن هذا الحق، يجب أن يمارس في إطار القانون وبما يصون الكرامة الإنسانية، مشدداً على أن تطبيق القانون لا يعني الإذلال، ولا يعني بث الرعب، ولا يعني تحويل فئة بأكملها إلى موضع اشتباه دائم.
هذه المعادلة الدقيقة بين السيادة الوطنية والالتزام الحقوقي تمثل جوهر النقاش الدائر حالياً، فالدولة المصرية تواجه تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، في وقت تستضيف فيه مئات الآلاف من السودانيين، بينما يظل احترام المعايير القانونية والإنسانية عنصراً أساسيا في حماية صورتها الإقليمية والدولية.
رفض خطاب الكراهية
البيان لم يقتصر على الجانب الإجرائي، بل وجه نقداً صريحاً لما وصفه بالحملات الإلكترونية التي تبث خطاب الكراهية والعنصرية، معتبراً أن هذه الحملات، لا تسيء إلى السودانيين وحدهم، بل تسيء إلى صورة مصر نفسها وإلى تاريخ طويل من التداخل الإنساني بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والمصير.
وفي ظل تصاعد الخطاب الشعبوي على بعض منصات التواصل، يبرز هذا الموقف كصوت مدني يسعى إلى حماية النسيج الاجتماعي ومنع الانزلاق نحو استقطاب قد يهدد العلاقات التاريخية بين الشعبين.
مطالب واضحة
البيان اختتم بخمسة مطالب محددة:
1. الوقف الفوري لأي ممارسات تؤدي إلى احتجاز تعسفي، خاصة لمن يحملون أوراقاً قانونية سارية.
2. تمكين جميع المحتجزين من التواصل الفوري مع ذويهم ومحاميهم دون عوائق.
3. فتح تحقيق مستقل وشفاف في حالتي الوفاة وكل الوقائع المرتبطة بالاحتجاز، وإعلان نتائجه للرأي العام.
4. ضمان الالتزام الكامل بالمعايير القانونية والإنسانية التي تحمي الحق في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة.
5. وقف الحملات الإعلامية التي تستهدف زرع الشقاق بين الشعبين.
ما بين السطور
من زاوية أخرى، لا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عن التحولات الكبرى التي فرضتها الحرب في السودان على المشهد الإقليمي، فمصر لم تكن يوماً بلداً غريباً على السودانيين، بل امتداداً اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، وفي المقابل، ظل السودانيون جزءاً من نسيج الاجتماعي المصري، في الجامعات والأسواق وميادين العمل.
صدور بيان بهذا الاتساع في توقيعاته وتنوع خلفيات موقعيه يعكس وجود تيار مدني مصري حريص على صون العلاقة الاستراتيجية بين الشعبين، وعلى منع أي توتر عابر من أن يتحول إلى شرخ دائم يصعب علاجها.
يبقى التحدي الحقيقي في كيفية إدارة هذا الملف بحكمة، عبر تطبيق القانون بحزم نعم، لكن دون تعميم الاشتباه أو المساس بكرامة من لجأوا طلباً للأمان، فالعلاقات بين الشعوب لا تقاس فقط بالمعاهدات، بل بكيفية التعامل مع الأضعف في لحظات المحنة.
وفي لحظة إقليمية مضطربة، قد يكون هذا البيان أكثر من مجرد تضامن عابر، قد يكون تذكيراً بأن الروابط بين شعبي وادي النيل أعمق من أن تهزها حملات عابرة أو سياسات غير متوازنة، وأن العدالة لا الخوف هي الأساس المتين لأي أمن مستدام.



