الأعمدة

مثل الآخرين، أدس أنفي في الشات جي بي تي. هدفي طبعاً الاستفادة من إمكاناته الباهرة في الوصول للمعلومة بالسرعة “المميتة”.

الجرجرة..
عبدالباسط شاطرابي
مثل الآخرين، أدس أنفي في الشات جي بي تي. هدفي طبعاً الاستفادة من إمكاناته الباهرة في الوصول للمعلومة بالسرعة “المميتة”.
معلوماته تصيب في معظم الأحيان، هذا هو الجانب الحلو، لكنها تشطح في أحايين أخرى.. وهنا الحنظل!
تحدثني نفسي بسؤاله عن أمور تخص الوطن، فيأتي لي بما يسر الخاطر، مع رؤية تقود للطريق، وأستفزه بأنه يجامل ولا يصادم، ويداهن ولا يصارح، فيكون رده هو المزيد من المجاملة والمداهنة.
العجيب أنه مؤدب جداً.. هذه الصفة التي غابت كثيراً عن إعلام الغفلة المستشري في جسد المشهد!
أكثر ما يستلفت النظر، هو (الجرجرة) التي يجيدها بامتياز، فصاحبنا يعمل على إطالة المحادثة بشكل يدعو للريبة، فإذا سألته عن دواء معين لألم الظهر، يهبّ ليسألك عن عمرك، وعن شكواك، وعن الأدوية التي تستخدمها، وفي كل مرة يقدم لك معلومة في مقابل سؤال يزيد من عمق تغلغله في خصوصياتك.. نابشاً في أوضاعك العملية، وفي حالتك الاجتماعية، وفي أدق خصوصياتك.
كذلك إذا طلبت منه معلومات عامة عن إجراءات تجارية أو استثمارية أو وظيفية.. يبادرك بالسؤال عن رصيدك المالي، ومشروعك الذي تريد تنفيذه، وفي مقابل ما يعطيك من أجوبة يتمكن من عصب ما تريد، ويقوم بتخزينه في ذاكرته التي لا تعرف النسيان.
أحس أن هذا الذكاء سيبيع كل معلوماتنا في يوم ما.. يبيعها بمقابل، أو يبيعها إحساناً، ليخرب بيوتنا ما دمنا نتمادى في بثه لأحوالنا الشخصية.
هو يتعلم من كل محاورة نجريها معه، يمدنا بالمعلومات الكثيرة، ويكتسب منا معلومات أكثر.
تحكي إحدى الفتيات قائلة إن شات جي بي تي صار يناديها باسمها، وإذا قامت بتوجيه سؤال ساذج لا يسأله ابن الرابعة يبدأ جوابه بأنه سؤال ممتاز (يا له من منافق)، ويجيبها بما يستجلبه من أقاصي الميديا، ثم يباغتها بأسئلة الجرجرة، وهي لا تبخل بمعلومة، لأنها تعتبره مجرد شبح دخاني لا وجود له، في حين أنه يدرك الآن معلومات عن أسرتها ومن تحبهم ومن تتمنى زوالهم من حياتها بلا رجعة.
شخصياً أتلقى ككثيرين غيري تقارير أسبوعية عن استخدامي لجهاز الموبايل الخاص بي، وفي الحقيقة لم أكن أهتم بهذه التقارير، لكنني بدأت أتنبه لها عندما وجدت أن شات جي بي تي بدأ يحتل مراكز متقدمة بين التطبيقات التي أتعامل معها.
استفيدوا من الذكاء الاصطناعي لكن بحذر، وتجرجروا معه ما دام يحب الجرجرة، لكن لا تغفلوا عن خبثه واحتمالية أن يبيعكم في يوم ما.
ورمضان كريم.

زر الذهاب إلى الأعلى